مقابلة لمجلة مشهد الاعمال العراقي
الحسن الناصري
المدير التقني، ديجيتال زون
السيد الحسن الناصري هو تقني اكتسب خبرة متنوعة عبر العمل في عدة مجالات مرتبطة بالتكنولوجيا في شركات كبرى وأخرى ناشئة، مثل اي كيو نيتورك-IQ Networks وزين كاش وفدشي. يعمل السيد الحسن حالياً بصفة المدير التقني في منصة ديجيتال زون، وهي أكبر منصة عراقية إلكترونية مخصصة لبيع وتزويد المنتجات الإلكترونية.
يفتح لنا السيد الحسن في هذه المقابلة نافذة على مشهد التكنولوجيا في العراق والخبرات البشرية في هذا المجال، ويؤكد أهمية تكييف النظام التعليمي مع متطلبات السوق، وتحديد الثغرات في تطوير المواهب، وإيقاف ظاهرة هجرة الكفاءات في القطاع التكنولوجي التي لها ضرر بالغ عليه. يُبَيِن لنا السيد الحسن وجهة نظره حول تأثير مبادرات التحول الرقمي الحالية وآفاق خلق فرص العمل في المستقبل القريب. كما يسلط الضوء على الدور المحتمل للذكاء الاصطناعي في مستقبل العراق، مناقشاً الفرص التي يقدمها والتحديات التي تواجهها الشركات في تبني هذه التقنيات. كما يناقش وضع برامج ودورات التدريب على الذكاء الاصطناعي في العراق، مشيراً إلى مخاطر اتباع التوجهات العالمية دون مراعاة احتياجات السوق المحلية.
هلّا أخبرتمونا عن مسيرتكم المهنية؟
بدأت رحلتي مع التكنولوجيا في سن الخامسة قبل دخولي المدرسة الابتدائية، إذْ كنت محظوظاً باقتناء على جهاز كمبيوتر. كان والدي هو مصدر إلهامي المبكر فقد عمل مهندساً ميكانيكياً وكان ذو خبرةٍ في البرمجة، وقد استخدم البرمجة الميكانيكية لحل مشاكل رياضية معقدة، وتعلم البرمجة في فترة كانت فيها البرامج تكتب على بطاقات مثقبة.
كانت النقطة الفاصلة لي في سن الحادية عشرة، عندما أهداني والدي كتاباً لتعلم لغة البرمجة Basic، كانت هذه التجربة بداية شغفي بالبرمجة. وعندما بلغت سن الثانية عشرة، بدأت أدرس منهج السنة الأولى من قسم علوم الحاسوب في جامعة التكنولوجيا في بغداد، كما تعلمت أساسيات تطوير الويب تعلماً ذاتياً. انضممت بعد تخرجي من الثانوية إلى شركة صغيرة لتطوير البرمجيات، ثم حصلت على عرض للعمل في شركة أي كيو نيتورك IQ Networks في السليمانية، والتي كانت في ذلك الوقت اكبر مزود للانترنت في العراق.
عملت لاحقاً في فترة دراستي الجامعية مع شركات عراقية عدة في مجالات عدة مثل التكنولوجيا المالية (زين كاش) وحلول البرمجيات والاتصالات، وذلك أثناء متابعتي لدراستي في تكنولوجيا المعلومات مع تخصص فرعي في إدارة الأعمال من الجامعة الأمريكية في العراق، السليمانية (AUIS). كوني طالباً بدوام كامل، اضطررت لتغيير الوظائف بشكل متكرر، مما أكسبني معرفة واسعة ورؤية عميقة حول سوق العمل والصناعات المختلفة وأنماط الإدارة المتنوعة. النظر إلى الوراء، يمكن القول إن هذا من العمل والدراسة يشبه نموذج /Werkstudent/ ("الطالب العامل") في ألمانيا، حيث يكتسب الطلاب خبرة عملية موازية لدراستهم. إنه نهج منطقي يزود الأفراد بالمؤهلات الأكاديمية والخبرة العملية بحلول وقت تخرجهم.
عملت خلال السنوات الخمس الأولى من مسيرتي مستقلاً متولياً الجانب التقني لمشاريع مختلفة. عندها لم يكن قطاع التكنولوجيا في العراق قد نضج بعد، وكانت معظم المشاريع بسيطة نسبياً. انجذبت إلى مجتمع الشركات الناشئة بسبب انخفاض حاجز الدخول إليه وطبيعته ذات المخاطر العالية والمكافآت العالية وطبيعته القائمة على الجدارة. غالباً ما توفر الشركات الناشئة فرص تطوير وظيفي سريعة، وقد استفدت من ذلك أيّما استفادة، فقد عملت بجد في العشرينيات من عمري لبناء مسيرتي المهنية. وبعد عدة وظائف ومناصب عليا في مجال هندسة البرمجيات، انتقلت إلى القيادة الفنية والإدارة، حيث شغلت وظائف إدارية عدة بما في ذلك المدير تقني لشركة فدشي، وهي منصة للتجارة الاجتماعية تعمل على تحسين تجربة التسوق في العراق. والآن أعمل مديراً تقنياً لديجيتال زون (
Digital Zone)، أكبر منصة عراقية لبيع المنتجات الإلكترونية عبر الإنترنت. لقد شكلت رحلتي رغبة دائمة في التعلم والنمو وبناء حلول تكنولوجية مؤثرة.
ما هو تقييمكم للقدرات التقنية للقوى العاملة العراقية في سوقنا الحالي، خاصة في تطوير البرمجيات؟
لا بد أن يتبادر إلى أذهاننا نظام التعليم في العراق إذا ما أردنا أن نقيم القوى العاملة فيه، هذا النظام الذي يُعد جامداً وغير عملي ولا يتماشى مع متطلبات سوق العمل الحديث. لقد تعلم العديد من الأشخاص الناجحين في مجال التكنولوجيا في العراق بالاعتماد على أنفسهم، وطوّروا مهاراتهم بشكل مستقل عن نظام التعليم الرسمي.
تحدٍ صعب آخر نواجهه هو هجرة العقول، هجرة العقول هي مغادرة الأشخاص المتعلمين أو المحترفين من بلد أو قطاع اقتصادي أو مجال معين إلى مكان آخر، عادةً من أجل الحصول على رواتب أفضل أو ظروف معيشية أفضل. رغم كونها ظاهرة عالمية، إلّا أنها تمثل مشكلة فريدةً في العراق. وقد حدثت هذه الهجرة على عدة موجات؛ أولاها في عام ٢٠١٠، عندما غادر العديد من المحترفين في مجال التكنولوجيا العراق إلى بلدان مثل الولايات المتحدة وأستراليا. كان العديد من هؤلاء الأشخاص يعملون في قطاع الاتصالات لدى شركات مثل شركة عراقنا وأثيـر.
وتلتها الموجة الثانية في عام ٢٠١٤ التي احدثها تدهور الأوضاع الأمنية، في حين وقعت الموجة الأحدث في عام ٢٠٢٠ خلال جائحة كورونا. وعلى الرغم من أن العديد من القطاعات واجهت صعوبات أثناء الجائحة، إلّا أن قطاع التكنولوجيا ازدهر وشهد نمواً سريعاً في مجالات مثل التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية والتعليمية وخدمات التوصيل. وقد جذب هذا الازدهار العالمي في التكنولوجيا الشركات الدولية، التي قدمت فرصاً ورواتب أفضل، ممّا دفع العديد من المتخصصين في التكنولوجيا العراقيين ذوي الخبرة العالية إلى مغادرة البلاد. ونتيجة لذلك، فإن سوق العمل العراقي يزخر بالمبرمجين الجدد، إلّا أنه يعاني من نقص في المبرمجين الخبراء.
تعد المهارات التقنية، خاصة البرمجة، مهارات قابلة للتطبيق عالمياً، مما يزيد من تفاقم المشكلة. فالمهندس البرمجي المتمكن من لغة برمجية يمكنه العمل في أي مكان في العالم، مما يجعل الجنسية أموراً غير مهمة. نتيجة لذلك تُضطر الشركات العراقية للتنافس مع الرواتب العالمية للاحتفاظ بالمواهب، وهو أمر صعب بالنسبة للشركات أن يكون لديها مركز إيرادات محلي مع مركز تكاليف عالمي.
كيف يمكننا التخفيف من تحدي هجرة الكفاءات؟
أعتقد أن الحكومة العراقية يمكن أن تلعب دوراً حاسماً عن طريق جذب شركات التكنولوجيا العالمية لإقامة وجود لها في العراق. نرى أمثلة على ذلك في مصر، حيث تعمل شركات مثل مايكروسوفت-Microsoft وراك سبيس-Rackspace وآي بي إم-IBM، وفي الأردن، حيث تمتلك شركات مثل اتش بي-HP وديل-Dell وأوراكل-Oracle مكاتب توظف مواهب محلية. إذا استطاع العراق جذب مثل هذه الشركات فسيتيح ذلك للمحترفين المحليين تطوير مهارات فنية وشخصية قيّمة.
ومع ذلك، فإن هذا النهج ليس خالياً من التعقيدات. فرغم أن التعرض لهذه الشركات العالمية سيعزز من المواهب المحلية، إلا أنه قد يجعل هؤلاء الأفراد أكثر جاذبية لأرباب العمل الأجانب، ممّا يزيد من احتمالية مغادرتهم للعراق للحصول على فرص أفضل في الخارج. إنه ليس حلاً بسيطاً وواضحاً، لكنه خطوة ضرورية نحو معالجة هجرة العقول وتطوير نظام تقني أقوى داخل العراق.
كيف يجب أن تتم عملية التوظيف في الشركات التكنولوجية؟
تختلف عملية التوظيف في شركات التكنولوجيا بشكل كبير عن الصناعات الأخرى. بناءً على تجربتي مع شركات مثل ديجيتال زون وفدشي، أفصل بشكل متعمد بين توظيف فريق التكنولوجيا عن عمليات المقابلة التقليدية التي يقودها قسم إدارة الموارد البشرية. نظراً للطبيعة المتغيرة بسرعة لسوق المواهب، اعتمدنا نهجاً موضوعياً بالكامل يستند على السوق ويعتمد على البيانات لضمان توافقنا مع واقع السوق.
لذلك نقوم بنشر عروض العمل بطريقة مباشرة، إذ يتضمن كل عرض وصفاً للوظيفة والمسؤوليات، دون الإشارة إلى توقعات الراتب. يسمح لنا هذا باختبار السوق لرؤية من يتقدم وما هي المهارات التي يجلبونها. نجمع أثناء عملية الاختيار توقعات الرواتب من جميع المتقدمين ونحسب متوسط الراتب ونطاقه ايضا، مما يتيح لسوق المواهب تحديد نطاق الرواتب المناسب. بمجرد تحديد المرشحين الأكثر تأهلاً، نتخذ قرار التوظيف بناءً على أسس قوية، لضمان توافق المردود المادي مع واقع سوق العمل.
ووفقا لتجربتنا، إذا كانت الشركة تهدف إلى بناء تكنولوجيا متقدمة او تحقيق معايير جودة طموحة او ملائمة للسوق المحلي او الالتزام بمواعيد التسليم، فيجب عليها التفكير في التوظيف على المستوى العالمي. ومع ذلك، نعطي دائماً الأولوية للمواهب المحلية، ونتجه إلى السوق العالمي فقط إذا كانت المهارات المطلوبة غير متوفرة محلياً.
هل على الشركات العراقية تطوير قدراتها التكنولوجية داخلياً، أم يُفضل أن تُسنِد هذه المهام الى تعاقد خارجي سواء محلياً أو دولياً؟ هلّا عرجتم على مزايا وعيوب كل منهما؟
إذا كانت التكنولوجيا هي جوهر عمل الشركة أو أصولها الأساسية، فيتحتم عليها تطوير قدراتها التقنية داخلياً. إذ أن إسناد العمل في هذه الحالة ليس بالخيار الحكيم. فالشركات التي تنشط في مجالات مثل التجارة الإلكترونية أو التكنولوجيا المالية، التي تمثل التكنولوجيا العمود الفقري لأعمالها، من الأفضل لها تطوير قدراتها التكنولوجية داخلياً، فقيمتها تكمن في ملكيتها الفكرية والتكنولوجية.
أما بالنسبة للشركات التي لا تركز على التكنولوجيا وترغب فقط في الاستفادة منها، يكون التعاقد الخارجي - سواء كان محلياً أو دولياً - الخيار الأمثل عادة – وهناك عدة أسباب لذلك.
أوّلها كون هندسة البرمجيات تتطلب عملاً عميقاً ومعرفة متخصصة، وهو ما تفتقر إليه العديد من الشركات العراقية من حيث توفير بيئة العمل الملائمة. يشمل إنشاء البيئة المناسبة أكثر من مجرد توظيف المواهب، بل يتطلب إعادة تصميم مساحات العمل، وتحديث سياسات العمل، وتحسين الفوائد وحزم المخصصات، وتوفير المعدات اللازمة. وبدون هذه التعديلات يبقى التعاقد الخارجي خياراً عملياً أكثر؛ وثانيها، أن التكنولوجيا تتطلب إدارة متخصصة، فاتساع وعمق الخبرات التكنولوجية المطلوبة لتحقيق نتائج هادفة من فريق تقني تصعب الأمر على المديرين غير التقنيين. في ظل غياب القيادة التقنية الماهرة، يصبح التعاقد الخارجي هو الخيار الأكثر ملاءمة.
وفي النهاية تبقى التكنولوجيا أداةً لتحقيق هدفٍ ما، وليست هدفاً بحد ذاته. فإذا لم يكن النموذج الأساسي لأعمال الشركة يتمحور حول التكنولوجيا، فعليها تجنب بناء القدرات التكنولوجية داخلياً.
ما الذي يميز توظيف الاشخاص المستقلين في العراق عن توظيف الاشخاص المستقلين أو الوكالات على المستوى العالمي؟
توظيف الاشخاص المستقلين العراقيين يسهل عملية التواصل، ويبسّط إجراءات الدفع، ويقلل من الجهد المطلوب لشرح السياق المحلي والمعايير. لكن في نفس الوقت، يقيّدك بالمواهب المتوفرة محلياً.
بالنسبة للمشاريع التي تتطلب سياقا محليا (مثل المحتوى أو واجهات المستخدم باللغة العربية)، ترجح كفة المواهب المستقلة العراقية على غيرها، من الضروري ان نتذكر أن الاستعانة بمصادر خارجية تهدف إلى العثور على المواهب المناسبة لمهام محددة؛ ولا يمكن استخدام هذه الطريقة لبناء فريق الشركة أو ثقافتها.
لقد ذكرت أنه إذا كانت قيمة الشركة الناشئة تكمن في التكنولوجيا، فيجب عليها الاستثمار في التكنولوجيا. هل تستثمرون في المواهب التقنية المحلية أم تستعين بمصادر خارجية للمواهب التقنية؟ كيف يمكنك إدارة هذا الأمر، في ظل النقص الكبير في العراق في كبار المتخصصين في مجال البرمجيات؟
دائماً ما نولي الأولوية للمواهب المحلية في كل فرصة عمل نعلن عنها. وبما أن نموذج عملنا مرنٌ ويقبل العمل عن بُعد، لا يقف الموقع الجغرافي عائقاً، ممّا يتيح لنا التوظيف من جميع أنحاء العراق.
كما وجعلنا التعلم المستمر جزءاً أساسياً من عمليات القسم التقني لدينا. فالشركة تتكفل بشكل كامل بتوفير مصادر التعلم، مثل الدورات والمقالات والدروس، شريطة أن تتماشى مع أهدافنا الاستراتيجية. كجزء من دورة تطويرنا، نضمن أن كل عضو في الفريق ينمو ويتعلم يومياً، مؤكدين على أن التعلم المستمر ليس مجرد خيار بل هو أمر أساسي لنجاحنا.
كيف تؤثر الفجوة بين النظام التعليمي وسوق العمل في العراق على تطوير القوى العاملة، وما الذي يمكن القيام به لمعالجة ذلك؟
أكثر إجراء مؤثر يمكننا اتخاذه لتحسين الوضع الراهن هو ملائمة النظام التعليمي مع متطلبات سوق العمل، إذ يُدَرس الطلاب في المناهج الحالية مهارات قديمة عفى عليها الزمن منذ عقود. على سبيل المثال، ما يزال قسم الذكاء الاصطناعي في الجامعات العراقية يدرّس لغة البرولوغ (Prolog) للبرمجة، وهي أداة قديمة حتى أن العديد من مهندسي تعلم الآلة (Machine Learning) الحديثين لم يسبق ان سمعوا بها, فضلاً عن استخدامها. وبالإضافة إلى المناهج القديمة، فإن أساليب التقييم غير عملية على أقل تقدير، تركز عمليات التقييم على التعلم النظري أكثر من التطبيق العملي. وما يفاقم هذه المشكلة هو افتقار بعض أعضاء الهيئة التدريسية إلى المؤهلات الضرورية لأدوارهم الأكاديمية. أعتقد أن وجود خبرة عملية سابقة في المجال يُعد معياراً واقعياً لأعضاء الهيئة التعليمية في المجالات التطبيقية.
استجابة النظام التعليمي لمتطلبات السوق من شأنه أن يغربل المناهج القديمة، ويحسّن أساليب التقييم، ويرفع من كفاءة الهيئة التدريسية. جزء أساسي من هذا التحول هو تطبيق التقييمات القائمة على المخرجات، مع التركيز على ما يمكن للطلاب تحقيقه عملياً بدلاً من ما يحفظونه.
إحدى القضايا الحرجة الأخرى هي التفاوت بين التعليم المهني والتعليم العالي في العراق. فنسبة الخريجين المهنيين مقارنةً بالأكاديميين غير متوازنة، مما يظهر نقصاً في التخطيط الحكومي لاحتياجات سوق العمل، رغم أن التعليم لا يزال خدمة عامة اجتماعية. فعلى سبيل المثال، تعد ألمانيا، الرائدة في الهندسة والصناعة والتكنولوجيا، نموذجاً حيث يتخرج عدد أكبر من الطلاب من المعاهد المهنية مقارنة بالجامعات، مما يوفر نموذجاً يمكن للعراق الاستفادة منه.
هل تعتقدون أن معدلات الرواتب لمطوري البرمجيات في العراق عادلة بالنظر إلى السياق المحلي والعالمي؟
تعتبر رواتب العاملين في قطاع التكنولوجيا على المستوى المحلي، وخاصة في تطوير البرمجيات، مُرضية للغاية. أرى أن مطوري البرمجيات يحصلون على أجور تصنف من الأفضل في البلاد.
إلا أن الوضع مختلفٌ على المستوى الإقليمي. إذ تُعد سوريا وإيران من الدول ذات الأجور الأدنى للمطورين، بينما تقدم دول مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية رواتب تنافس نظيراتها في المملكة المتحدة وأوروبا، التي تحتل المرتبة الثانية عالمياً من حيث الأجور. وبالطبع يتصدر المطورون في الولايات المتحدة أعلى الرواتب عالمياً. يواجه العراق في هذا المشهد صعوبة في المنافسة إقليمياً, حيث يقع بين مصر والإمارات العربية المتحدة. تعاني الدول النامية من عوائق كبيرة في جذب المواهب التقنية والحفاظ عليها، خاصة عندما تكون الفجوات في الأجور بهذه الحدة.
ما هي الوظائف والمهارات التقنية الأكثر طلباً في العراق خلال العقد القادم، وهل العرض الحالي من المواهب كافٍ لتلبية هذا الطلب؟
من منظور اقتصادي كلي، سيتطلب السوق العراقي المزيد من منفذي البرامج الجاهزة أكثر من مطوري البرامج من الصفر. كاقتصاد نامٍ متأخر في التحول الرقمي، لن يتركز اهتمامنا على إعادة اختراع العجلة، بل على تطبيق الحلول الجاهزة والمختبرة والمحدثة باستمرار.
إحدى المجالات الرئيسية التي ستشهد طلباً كبيراً هي أدوار تكامل الأنظمة، حيث يقوم هؤلاء المتخصصون بإدارة وتخصيص وتطبيق وتدريب الموظفين على أنظمة تخطيط الموارد المؤسسية (ERP). كما سيلعب موزعو البرمجيات كخدمة (SaaS) دوراً هاماً، حيث تعتمد الشركات بشكل متزايد على البرامج الجاهزة المتاحة من خلال شراكات مع الموزعين أو الحلول البيضاء (White Label).
من ناحية المهارات المحددة، سيكون هناك حاجة إلى مختصين تقنيين عموميين أكثر من الخبراء ذوي التخصصات الدقيقة. سيشهد السوق طلباً كبيراً على مطوري الويب، ومطوري تطبيقات الهواتف المحمولة، ومطوري الواجهة الأمامية، وغيرهم ممن يمكنهم العمل عبر مختلف المنصات التكنولوجية. إلى جانب ذلك، سيكتسب أدوار ناشئة مثل مهندسي أمن التطبيقات، ومهندسي الحوسبة السحابية، ومهندسي البيانات أهمية متزايدة.
هل يشهد النظام العراقي تحولاً رقمياً حقيقياً؟
رغم وجود مبادرات تهدف إلى تحويل النظام العراقي رقمياً، إلا أنها مشتتة وغير متكاملة تكاملاَ تاماً. لا يُمكن تحقيق التحول الرقمي الحقيقي من خلال جهود متفرقة، بل يجب أن يتعاون الجميع في إطار خطة موحدة. يجب أن تكون استراتيجية التحول الرقمي ناجحة وواضحة وذات رؤية مستقبلية، لأن ما نقوم ببنائه الآن هو أساس البنية التحتية الرقمية الوطنية في العراق. بمجرد إنشاء هذه البنية التحتية، سيكون من الصعب للغاية إجراء تغييرات كبيرة لاحقاًً.
يمكننا بالفعل رؤية أمثلة لهذه التحديات على مستوى العالم. على سبيل المثال، لا يزال القطاع المصرفي في الولايات المتحدة يعمل على أنظمة قديمة. إذا أنشأ العراق بنيته التحتية دون تخطيط مدروس، فسوف يواجه تحديات مماثلة في المستقبل.
أحد التحديات الرئيسية هو أن كلا من السلطتين التشريعية والتنفيذية تفتقران إلى فهم واضح لما هو مطلوب لتحقيق تحول رقمي فعال. ولكي ينجح هذا التحول، يجب أن تأتي المبادرة من أعلى المستويات الحكومية وأن تغطي جميع جوانب الاقتصاد، وكذلك القطاعين العام والخاص.
هل يمتلك المدراء العراقيون المهارات والمعرفة التقنية الكافية لقيادة فرق تقنية في مجال تطوير البرمجيات؟
ساهمت هجرة الكفاءات في العراق في حدوث نقص كبير في الكفاءات العالية، مما يصعّب تطوير مدراء مهرة في القطاع التقني. بالإضافة إلى ذلك، فإن التميز في تطوير البرمجيات يتطلب شخصية وأسلوب حياة مختلفين تماماً، ولا يتقاطع بالضرورة مع مهارات إدارة الأشخاص والقيادة. كنت دائماً أؤمن بأن إجبار مهندس موهوب على الانتقال إلى وظيفة إدارية فقط بسبب وصوله إلى سقف السلم الوظيفي هو هدر للموهبة النادرة. في أدواري الحالية والسابقة كمدير تقني، قدمت هيكلاً تنظيمياً بثلاث مسارات مهنية داخل الفريق التقني: المساهمة الفردية، القيادة التقنية، والإدارة التقنية.
يمكن لكل عضو في الفريق اختيار البقاء في المسار المفضل له، حيث تتدرج مستويات النمو من مبتدئ إلى متوسط ثم إلى مستوى خبير. وبذلك، لا يحتاج الموظفون للانتقال إلى الإدارة لزيادة رواتبهم، حيث يوفر كل مسار فرصاً للنمو والتقدم.
تُقسم هذه المسارات لأن كل دور يتطلب مجموعة مختلفة من المهارات والعقليات. لم يتم اعتماد نموذج المسارات الثلاثة على نطاق واسع في منطقة الشرق الأوسط، وغالباً ما تكون هيكليات فرق وأقسام التكنولوجيا غير متطورة وسطحية.
ما هو الدور الذي ترون أن الذكاء الاصطناعي سيلعبه في شركات التقنية العراقية؟ هل يجب على الشركات اعتباره ضرورة ذات أولوية، أم أنه لا يزال يعتبر اضافة مترفة؟
الأفراد والشركات في العراق على استعداد لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، حيث صُممت هذه التقنيات لتكون سهلة التبني من المستهلكين النهائيين ولا تتطلب شروطاً مسبقة خاصة لاعتمادها. ومع ذلك، فإن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يختلف عن بنائها وتطويرها، وهنا تصبح، فالإجابة أكثر تعقيداً. الغالبية العظمى من الشركات غير مستعدة بعد لتطوير حلول ذكاء اصطناعي، حتى وإن توفرت بعض الأساسيات.
يعتمد تطوير الذكاء الاصطناعي على ثلاثة أعمدة أساسية: البيانات، القدرة الحاسوبية، والخوارزميات. ورغم أن الخوارزميات متاحة بسهولة عبر الإنترنت، فإن نقص البيانات الكافية يمثل عقبة كبيرة أمام تطوير الذكاء الاصطناعي. فبدون بيانات، لا يمكن للآلة التعلم. ونظراً لأن العراق لم يشهد تحولًا رقمياً كاملاً بعد، هناك نقص في البيانات المهيكلة والقابلة للاستخدام، مما يجعل من الصعب على معظم الشركات السعي وراء تطوير الذكاء الاصطناعي.
ولكن تبقى هناك استثناءات، فالشركات الكبيرة، وخصوصاً في قطاعي الاتصالات ومزودي خدمة الإنترنت، تمتلك البنية التحتية والبيانات التي تتيح لها الاستفادة من الذكاء الاصطناعي. فقد دمجت هذه الشركات التقنية في عملها منذ البداية، مما مكنها من جمع البيانات واكتساب القدرة الحاسوبية اللازمة لاستكشاف حلول الذكاء الاصطناعي.
على المستوى العالمي، تتبع مسيرة تطور الذكاء الاصطناعي خمس مراحل: التحول الرقمي، البيانات الضخمة، إنترنت الأشياء-IoT، الروبوتات، وأخيراً الذكاء الاصطناعي. ولكي يتمكن العراق من تطوير الذكاء الاصطناعي والاستفادة منه بشكل كامل، سيتعين عليه المرور بهذه المراحل بالتسلسل.
هل هناك خطر حقيقي من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الوظائف في العراق، أم أنه يمثل فرصة لخلق وظائف جديدة وصناعات جديدة؟
كما هو الحال مع أي تقدم تقني، فإن الذكاء الاصطناعي سيقوم حتماً باستبدال بعض الوظائف الحالية وخلق وظائف جديدة. يكمن السر في أن يبقى الأفراد على اطلاع دائم، ويواكبوا الاتجاهات العالمية، ويحدثوا مهاراتهم باستمرار لتجنب التخلف عن الركب. ومع ذلك، من المرجح أن يكون تأثير الذكاء الاصطناعي على العراق أقل وضوحاً من تأثيره في أجزاء أخرى من العالم، ويرجع ذلك أساساً إلى نقص البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي لإحداث تغييرات كبيرة. فالكثير من الأدوار التي يتم استبدالها بالذكاء الاصطناعي في بلدان مثل الولايات المتحدة غير موجودة أساساً في العراق.
في القطاع العام العراقي، حيث يعمل حوالي ٧٠٪ من الموظفين في وظائف زائدة عن الحاجة، تتجاوز التحديات الذكاء الاصطناعي. فلا حاجة إلى الذكاء الاصطناعي لاستبدال هذه الوظائف الزائدة، بل يمكن للتحول الرقمي والإدارة الجيدة أن يظهر بوضوح أن العديد من هذه الوظائف غير ضرورية. أما بالنسبة للـ٣٠٪ المتبقية من موظفي القطاع العام، فإن بعض الأدوار يمكن أن تُستبدل بحلول برمجية متوفرة منذ تسعينيات القرن الماضي. وهذا يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس في الوقت الراهن عامل اضطراب رئيسي في القطاع العام العراقي. بدلاً من ذلك، سيكون للتحول الرقمي والإدارة الجيدة تأثير أكبر على إعادة هيكلة القوى العاملة ورأس المال البشري داخل المؤسسات الحكومية.
أما بالنسبة للقطاع الخاص، ورغم أنه يسعى باستمرار إلى تحسين الكفاءة، إلا أنه لا يزال صغيراً نسبياً ويفتقر إلى الحجم اللازم للتأثير بشكل كبير على الاقتصاد أو سوق العمل. قد يعزز الذكاء الاصطناعي الكفاءة ويخلق بعض الأدوار الجديدة في صناعات محددة، لكن تأثيره العام على التوظيف في العراق سيبقى محدودًا على المدى القصير.
ما رأيكم في الوضع الحالي لبرامج ودورات التدريب على الذكاء الاصطناعي في العراق؟ وهل هي كافية لتلبية الاهتمام والحاجة المتزايدة لمهارات الذكاء الاصطناعي؟
بينما توجد بعض البرامج والدورات التدريبية المقبولة للذكاء الاصطناعي، يبدو أن العديد منها موجود لأغراض التباهي أكثر من النتائج العملية. هناك تركيز دولي واضح على ورش عمل الذكاء الاصطناعي، والعراق يحذو حذوهم في هذا الاتجاه. ومع ذلك، نحن في الوقت الحالي نبني عرضاً أكبر من الطلب الفعلي لمهارات الذكاء الاصطناعي في السوق المحلية.
ويطرح هنا السؤال: ماذا سيفعل خريجو هذه البرامج؟ لقد قام بعض الأفراد حتى بتغيير مساراتهم المهنية من أجل الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك لا يوجد طلب كافٍ في السوق لاستيعاب هؤلاء المحترفين الجدد. من المهم أن نلاحظ أن اتباع الاتجاهات العالمية دون مراعاة الاحتياجات المحلية ليس بالنهج المستدام. تصبح دور ورش العمل وبرامج التدريب ذات معنى فقط عندما تندمج في استراتيجية أوسع — استراتيجية تنسق بين الجامعات والشركات وبيئة الأعمال لضبط المخرجات التعليمية لتتناسب مع احتياجات السوق المستقبلي.