BLM 14
14•Article

من التخصص إلى العالمية: كيف تستفيد الشركات الصغيرة من قوة الاقتصاد الرقمي

مصطفى علوانSeptember 21, 202410 min read

Article Summary

الاقتصاد الرقمي يمكّن الشركات الناشئة الصغيرة من نمو عالمي سريع بتكاليف منخفضة وأتمتة عالية؛ «كاونتر» مثالٌ توسّع إلى 200 ألف مستخدم في 180 دولة. التحديات: التمويل والمهارات واللوائح؛ والطريق المستدام: التركيز على سوق متخصص، الاستفادة من التسجيل الخارجي، والأتمتة العميقة.

من التخصص إلى العالمية: كيف تستفيد الشركات الصغيرة من قوة الاقتصاد الرقمي
مصطفى علوان
مؤسس كاونتر
المقدمة
يُمثل الاقتصاد الرقمي نظاماً اقتصادياً حديثاً يعتمد اعتماداً كبيراً على الاستفادة من الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية في جميع جوانب عملياته. يشمل هذا النموذج الاقتصادي مجموعة واسعة من الأنشطة مثل التجارة الإلكترونية التي تُسهل عملية شراء وبيع المنتجات والخدمات عبر الإنترنت بكلِ سلاسة، وتطبيقات النقل التي تُبسط عملية حجز وسائل النقل العامة أو الخاصة من خلال الهواتف الذكية، وتطبيقات السفر التي تُمكن المستخدمين من حجز الرحلات والإقامة بكلِ سهولة.
ما يُميز هذه المشاريع هو قدرتها على تحقيق نمو سريع من خلال تسخير التكنولوجيا الحديثة والإنترنت، ممّا يمنحها إمكانية الوصول إلى جمهور واسع في مختلف المناطق حول العالم. وعلى النقيض، تواجه الشركات التقليدية غالباً قيوداً ضمن أسواق جغرافية محددة أو تعتمد على قنوات توزيع تقليدية، ممّا يحد من قدرتها على الوصول إلى جمهور عالمي بكفاءة كما يفعل الاقتصاد الرقمي.
مزايا الاقتصاد الرقمي
تُقدم الشركات العاملة في إطار الاقتصاد الرقمي العديد من الفوائد التي لا تستطيع الشركات التقليدية تحقيقها. وإن أهم ميزة هي سهولة الوصول إلى مختلف الأسواق، ممّا يعني أن هذه الشركات يُمكنها ممارسة أعمالها بما يتجاوز الحدود الجغرافية. بهذه الطريقة، يُمكن للشركات الاستفادة من فرص اقتصادية أفضل، وتجنب الاضطرابات السياسية، وتغطية أسواق أكبر وأكثر ربحاً أثناء استمرار عملياتها. على سبيل المثال، يُمكن للتطبيقات التي تعمل في دول مثل لبنان أو تركيا توسيع خدماتها لتستهدف المستخدمين في مناطق أخرى، مثل الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة، ممّا يتيح لها الاستفادة من معدلات تضخم أقل وقوة شرائية أعلى.
بالإضافة إلى استفادة المشاريع الرقمية من انخفاض تكاليف التشغيل بشكل ملحوظ مقارنةً بالشركات التقليدية، فمعظم التطبيقات الإلكترونية التي تقدم خدمات عبر الإنترنت لا تتطلب وجود مكاتب فعلية في جميع أنحاء العالم أو تحمل تكاليف تشغيلية مثل رواتب الموظفين وفواتير الإنترنت والكهرباء. يُمكن للشركات الناشئة الصغيرة الاستفادة من المنصات الإلكترونية والخدمات السحابية والأدوات الرقمية، التي غالباً ما تكون أقل كلفة وسهلة استخداماً وتطبيقاً.
يُساعد الاقتصاد الرقمي أيضاً في تحقيق مرونة التشغيل، إذ يسمح هذا النوع من الاقتصاد للشركات بأن تكون أكثر مرونة وتعمل عن بُعد، وهو أمر مفيد بشكل خاص لمن لديهم موارد محدودة. كما يُتيح لها التكيف بسرعة مع تغييرات السوق أو احتياجات العملاء دون الحاجة إلى إجراء تغييرات جذرية في هيكل أعمالها.
توفر المنصات الرقمية إمكانية التواصل المباشر بين الشركات والعملاء، إذْ يُمكن للشركات الناشئة الصغيرة التفاعل مع جمهورها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والنشرات البريدية والدردشة المباشرة والقنوات الإلكترونية الأخرى، ممّا يُتيح لها بناء علاقات أقوى، وتقديم خدمات مخصصة، وتعزيز ولاء العملاء.
مفهوم الشركات الصغيرة
قبل التعمق في مفهوم الشركات الناشئة الصغيرة، من الضروري فهم الفرق بين المشاريع الجانبية، والشركات الناشئة، والشركات الناشئة الصغيرة:
  • المشاريع الجانبية
عادةً ما تُطلق من موظف في شركة أو مؤسسة حكومية يسعى إلى تحقيق دخل إضافي من خلال العمل بدوام جزئي. تشمل الأمثلة على ذلك تطوير ألعاب إلكترونية صغيرة أو تطبيقات البرمجيات كخدمة (SaaS)، مثل لعبة "Flappy Bird" الشهيرة التي حازت على شهرة واسعة في عام 2013.
  • الشركات الناشئة
هي شركة جديدة تُؤسس عادةً من أكثر من مؤسس بهدف تحقيق نمو كبير والحصول على استثمارات كبيرة أو تحقيق "خروج" (Exit) عن طريق بيعها لشركة أكبر. يعمل المؤسسون عادةً على هذه المشاريع بدوام كامل. مثال على ذلك هو تطبيق "كريم" الذي أُستحوذ عليه لاحقاً من شركة "أوبر".
  • الشركات الناشئة الصغيرة
تحتل الشركات الناشئة الصغيرة المنطقة الرمادية بين المشاريع الجانبية والشركات الناشئة. إذ يعمل المؤسسون عليها بدوام كامل، لكنهم ليسوا بالضرورة موجهين نحو تأمين استثمارات ضخمة أو تحقيق عمليات استحواذ بدلاً من ذلك، يكون هدفهم تحقيق عوائد مالية مستمرة على مدار السنة.
تعتمد الشركات الناشئة الصغيرة بشكل كبير على الاقتصاد الرقمي، إذ تستفيد من وسائل الدفع الإلكتروني لجمع الإيرادات وتعمل دون قيود جغرافية، مما يسمح لها بخدمة قاعدة مستخدمين عالمية. تعمل بعض الشركات الناشئة الصغيرة بنموذج الدخل السلبي، وتدار من موظف واحد (المؤسس) مع كون العمليات مؤتمتة إلى حد كبير ولا تتطلب تدخلاً بشرياً مكثفاً. تشمل الأمثلة على ذلك بعض تطبيقات البرمجيات كخدمة (SaaS) التي تقدم حلولاً إلكترونية للأفراد والشركات.
قابلية التوسع والاستدامة للشركات الناشئة الصغيرة تعتمد على عدة عوامل، من بينها انخفاض التكاليف، والاعتماد على الأتمتة، والوصول إلى جمهور عالمي. تركز هذه الشركات على تقديم حلول رقمية وتتجنب الحاجة إلى رأس مال بشري كبير أو بنية تحتية مكلفة، مما يعزز قدرتها على التوسع مع الحفاظ على نموذج أعمال مستدام. على سبيل المثال، استطاع تطبيق "Leave Me Alone"، وهو خدمة لإلغاء الاشتراك من الرسائل البريدية، أن يخدم عدداً أكبر من المستخدمين دون الحاجة إلى زيادة تكاليف التشغيل، ممّا يضمن الربحية والاستدامة على المدى الطويل.
نظراً لطبيعتها المرنة، تستطيع الشركات الناشئة الصغيرة التكيف والنمو بسرعة، يُمكنها بشكل فعال وسريع تغيير توجهها في السوق، مثل تحسين منتجها أو استهداف عملاء جدد. تُعد هذه المرونة العامل الرئيسي للنجاح في الأسواق الرقمية التنافسية.
نموذج كاونتر
كاونتر هو تطبيق إلكتروني صُمم لتسهيل إجراءات السفر، خصوصاً لمواطني الدول ذات جوازات السفر الضعيفة نسبياً مثل العراق. من خلال كاونتر، يمكن للمستخدمين معرفة متطلبات الدخول أو التقديم للحصول على التأشيرات إلكترونياً في غضون دقائق. حالياً، يقدم التطبيق خدماته في أكثر من 180 دولة حول العالم ويفخر بوجود أكثر من 200,000 مستخدم من دول مختلفة.
يُمثل كاونتر مثالاً بارزاً على الاقتصاد الرقمي، إذ يعتمد كُلياً على وسائل الدفع الإلكتروني لجمع الإيرادات، بالإضافة إلى أتمتة العمليات التشغيلية. تُدار جميع العمليات إلكترونياً، ممّا يُقلل كثيراً من الحاجة إلى التدخل البشري.
يوفر الاقتصاد الرقمي فرصاً كبيرة للتوسع لتطبيقات مثل كاونتر. فقد صُمم في البداية لتسهيل إجراءات السفر لحاملي جواز السفر العراقي، نظراً لترتيب جواز السفر العراقي الذي يحد من قدرة العراقيين على السفر إلى العديد من الوجهات. لكن لاحقاً، اكتشفنا أن معظم المستخدمين يأتون من دول الخليج والاتحاد الأوروبي.
يُمكن لمواطني هذه الدول التقديم للحصول على أكثر من 70 نوعاً من التأشيرات الإلكترونية. واليوم، أكثر من 75% من مستخدمي التطبيق هم من دول أخرى حول العالم، وليسوا من العراق. بدون الاقتصاد الرقمي وسهولة الوصول التي يوفرها، لم يكن بإمكان كاونتر تحقيق هذا التوسع في هذه الدول بنجاح.
تحديات إدارة شركة ناشئة صغيرة
تواجه الشركات الناشئة الصغيرة ثلاث تحديات رئيسية لربما تعيق نموها واستدامتها على المدى الطويل، وتشمل هذه التحديات: القيود المالية والتقنية، والمعوقات التنظيمية.
  • التمويل: تعمل معظم الشركات الناشئة الصغيرة برأس مال محدود، وغالباً ما تُمول من المدخرات الشخصية، أو القروض الصغيرة، أو الأرباح الشهرية. يحد هذا الاعتماد على موارد مالية محدودة قدرتها على التوسع الفعال أو الاستثمار في استراتيجيات النمو الضرورية مثل التسويق وتطوير المنتجات أو توظيف موظفين إضافيين. وبدون تمويل كبير تكون الشركات الناشئة الصغيرة عرضة للمنافسة من شركات أخرى تمتلك مصادر تمويل أكبر. يسمح هذا الوضع للمنافسين بالحصول على حصة أكبر في السوق، بينما تبقى الشركات الناشئة الصغيرة متأخرة أو حتى تنهار.
  • القيود التقنية: عادةً ما يدير الشركات الناشئة الصغيرة فرقٌ صغيرة، مما يحد من وصولها إلى المهارات التقنية المتخصصة. نتيجةً لذلك غالباً ما تواجه هذه الشركات صعوبة في تنفيذ تقنيات جديدة أو التوسع في السوق. وقد تعيق قلة الخبرة قدرتها على الابتكار أو إدارة العمليات أو تقديم حلول يُمكن أن تطور الشركة وتجذب عملاء جدد. كما أن هذا النقص يُصعب عليها المنافسة مع الشركات الكبرى التي تمتلك مواهب وتقنيات أكثر تطوراً.
  • العوائق التنظيمية: تجد الشركات الناشئة الصغيرة في بعض الأحيان صعوبة في التنقل داخل النظام التنظيمية. في بعض القطاعات المهمة والمقيدة بالقوانين مثل القطاع المالي، تواجه الشركات الناشئة الصغيرة تحديات كبيرة بسبب الإطار التنظيمي الشامل والتكاليف المرتبطة به، تحتاج الشركات في مرحلة ما إلى الحصول على ترخيص محدد، والذي يمكن أن تصل تكلفته إلى ملايين الدولارات، أو قد يكون من الصعب جداً الحصول على هذا الترخيص.
الدروس المستفادة من انشاء شركة ناشئة صغيرة
عند مواجهة تحديات في التوسع ضمن السوق الحالي، غالباً ما يكمن الحل في استهداف أسواق أخرى. قد لا يكون المنتج المقدم مناسباً للسوق الحالي، لكنه قد يعالج العديد من المشكلات في مناطق أخرى. وتبقى الاستفادة من الأدوات المتاحة في الاقتصاد الرقمي واستكشاف تسويق المنتج في أسواق خارج السوق الحالي أمراً لا بد منه.
يتوفر في العراق عدد محدود من الخدمات الأساسية للأعمال الرقمية مثل الخدمات المالية والخوادم وغيرها من الأدوات التكنولوجية، ولذلك يُنصح بتسجيل الشركة خارج العراق، إما في الولايات المتحدة أو الإمارات العربية المتحدة. يُمكن أن يُسهم تسجيل الشركة في الخارج في تسهيل وتسريع عملية التوسع بشكل أكبر وأسهل.
تُعد هذه الخطوات ضرورية لتجاوز العقبات التشغيلية والاستفادة الكاملة من فرص النمو المتاحة في الأسواق العالمية.
تحقيق نموذج أعمال مستدام
يُمكن للشركات الناشئة الصغيرة اعتماد عدة استراتيجيات رئيسية لضمان الاستدامة على المدى الطويل. من أهم هذه الاستراتيجيات هو التركيز على سوق متخصص. من خلال القيام بذلك، ستتاح لها الفرصة لحل مشكلات محددة للغاية. يساعد ذلك أيضاً على تميزها في السوق ويجعلها أكثر قدرة على الصمود في المدى البعيد. يتيح التخصص للشركات الناشئة تغطية جمهور محدد بحلول أكثر ابتكاراً وجودة.
من الضروري الاستفادة من الاقتصاد الرقمي. باستخدام المنصات والأدوات عبر الإنترنت، يُمكن للشركات الناشئة الصغيرة توسيع نطاق وصولها إلى جمهور عالمي مع تقليل التكاليف. يفتح هذا النهج أسواقاً وفرصاُ جديدة دون الحاجة إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية.
على الشركات الناشئة الصغيرة أيضاُ تبني الأتمتة، خاصةً بالنسبة لشركات "البرمجيات كخدمة" (SaaS). يُمكن للأتمتة أن تُبسط العمليات، وتقلل الحاجة إلى رأس المال البشري، وتخفض التكاليف إلى حدٍ كبير، ممّا يعزز الكفاءة ويسهم في الاستدامة.

Article Information

Details

  • Author:مصطفى علوان
  • Published:September 21, 2024
  • Issue:14
  • Read Time:10 min

Need Custom Analysis?

Contact our research team to discuss your specific business landscape analysis needs.

Contact Us
More from 14