BLM 16
16•Article

ما وراء الضجّة: قراءة في تطور الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته وحدوده

أدهم عمرانOctober 3, 202520 min read

Article Summary

قراءة سريعة لمسار الذكاء الاصطناعي من الشبكات العصبية واختبار تورنغ إلى نماذج المحوّل وChatGPT، مع أمثلة عملية (تلخيص النصوص، OCR متعدد الوسائط، تحسين الوصول، تمكين المطوّرين) وحدود جوهرية (سعة السياق، حداثة البيانات، هلوسة/جودة المدخلات، «غرفة الصدى»، وتلاشي الأسلوب الشخصي). الخلاصة: تبنٍ متوازن يستفيد من القوة ويُدار بالتحقق البشري

ما وراء الضجّة: قراءة في تطور الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته وحدوده

أدهم عمران
مطور واجهة خلفية أقدم (iData)
في أوائل أربعينيات القرن المنصرم، انطلق مجال الذكاء الاصطناعي مع أعمال مكولوتش وبتس (McCulloch and Pitts) في تصميم "الخلايا العصبية الاصطناعية"، وبحث تورينغ (Turing) لعام 1950 بعنوان "آلات الحوسبة والذكاء"، التي قدمت اختبار تورينغ الشهير الذي يُختبر عليهِ الذكاء الاصطناعي الحديث. وتطوّر الأمور إلى العقدين اللاحقين في الخمسينيات والستينيات، حيث بدأ العمل على الذكاء الاصطناعي في المختبرات، وكان ذلك في إطار الحوسبة. حيث كانت المحاولات تعمل على إنشاء الذكاء الاصطناعي العام (AGI) ولكنها قلّلت من تقدير صعوبة هذا التحدي، ممّا أدى إلى قطع التمويل لهذا المشروع في السبعينيات، لتبدأ بعدها حقبة سميت بـ "شتاء الذكاء الاصطناعي".
ويستخدم مصطلح "شتاء الذكاء الاصطناعي"، لوصف فترة تراجع الاهتمام والدعم المالي التي تلت موجات الهبّة الأولى المتّصفة بالإثارة والتمويل الوفير، التي لحقتها خيبة أمل عندما لم تتحقق التوقعات. حدث هذا مرتين، بين (1974–1980) وبين ( 1987–2000)، و من المثير للاهتمام أننا الآن في موجة ضجيج ضخمة، وهي الأكبر في تاريخ الذكاء الاصطناعي. لكن هل يعيد الماضي نفسه ؟ أم أن هذا هو ربيع أبدي للذكاء الاصطناعي؟
مراحل تطوّر الذهنية التقنية 
لدى استعراض فاعلية الذكاء الاصطناعي، بوصفهِ تقنيةً ذهنية، لابد من عرض مراحل تطوّرهِ الزمنية لغاية ما وصلنا إليه. ويمكن استعراضها في الآتي: 
  • في عام 2010: أصبحت تقنيات التعليم العميق قابلة للتطبيق بفضل التحسينات في الأجهزة وتوافر البيانات والتمويل.
  • في عام 2012: أُحرز تقدّم كبير في التعرّف على الصور، وهي التقنية المستخدمة الآن في العديد من تطبيقات عرض الصور لتمييز الحيوانات الأليفة، والوجوه، والأماكن، عبر تقنية (AlexNet). 
  • في عام 2014: نشرت فيسبوك عملها على (DeepFace)، وهي تقنية للتعرّف على وجوه قادرة على تحديد الوجوه بدقة تصل إلى 97%.
  • في عام 2016: أصبح (AlphaGo) من (Google) أول ذكاء اصطناعي يهزمُ إنساناً في لعبة "Go".
  • في عام 2017: أصبح (AlphaGo Zero) من (Google) شائعاً في لعبة الشطرنج. كما طورّت في العام ذاته بنية (transformer) بواسطة (Google)، ونُشرت في الورقة البحثية الموسومة (Attention Is All You Need) أي "الانتباه هو كل ما تحتاجه".
  • في عام 2018: قدمت ( OpenAI) أول نموذج GPT وهو (GPT-1) ، الذي دُرِّب على 7000 كتاب، بناءً على بنية (transformer). 
  • في عام 2019 : قدمت (OpenAI) نموذج (GPT-2) الذي دُرِّب على 8 ملايين مستند و45 مليون صفحة ويب. 
  • في عام 2020: قدمت (OpenAI) نموذج (GPT-3)، الذي دُرِّب على كامل محتوى ويكيبيديا الإنجليزية، ونصوص ويب متنوعة، ومجموعتين من الكتب. 
  • 2022: قدمت (OpenAI) نموذج (GPT-3.5) مع بيانات تدريب غير معلنة، كما أصدر ( Stable Diffusion)، نموذج لتحويل النص إلى صورة. 
  • 2023: أصدرت (Meta LLaMa)، أول منافس لــ (GPT-3.5) مع أوزان مفتوحة. كما قدمت (OpenAI) نموذج (GPT-4) مع بيانات تدريب غير معلنة. 
لطالما كانت تطبيقات الذكاء الاصطناعي متخصصة لفترة طويلة، ولم نحصل على نماذج عامة مدرّبة على بيانات كافية لتكون مفيدة إلا مع ظهور (ChatGPT) والبرامج المماثلة. كانت النماذج والتقنيات السابقة مخصّصة لحل مشكلة واحدة فقط، لكن المشهد الحالي تحوّل إلى حلول عامة تستفيد من التخصّص عند الحاجة.
هل يقتصر الذكاء الاصطناعي على (ChatGPT)؟ 
لقد كان الضجيج الأخير، يدور حول النصوص التوليدية والصور مع (ChatGPT)، إلّا انني أدعو القارئ للتفكّر في استخدامات مفيدة أخرى للذكاء الاصطناعي. لقد ارتفعت الأدوات التي تعزز إمكانية الوصول، مثل تحسين واجهات النص إلى كلام والكلام إلى نص، والتي تساعد العديد من الأشخاص الذين يعانون من ضعف البصر أو صعوبة في الكلام. هذه التطورات تأتي من العديد من الشركات مثل : (Whisper) من (OpenAI)، و (WaveNet) من (Google)، و منتجات (ElevenLab).
حالات استخدام الذكاء الاصطناعي
لنكتشف حالات استخدام الذكاء الاصطناعي الحديثة، بدءاً من الاستخدامات العامة إلى الاستخدامات التي تخص المطوّرين بشكل أكبر.
أ. الاستخدامات العامة: عبر البريد الإلكتروني يُمكن استخدام النماذج اللغوية الكبيرة للإجابة على الرسائل الإلكترونية في البيئات المؤسسية والمهنية، إذ بإمكانها أن تُساعد في الحفاظ على طابع المحادثة، بشكل مهني، وتقليل الوقت المستغرق في أداء هذه المهمة. القلق الوحيد مع هذه الحالة هو أنها قد تقلل من الطابع الشخصي والتعبير الفردي، إذ سيتبنى الجميع ذات الطابع. كما أنَّ إحدى الحالات الرائعة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، هي أخذ النصوص وتلخيصها أو إعادة صياغتها لتتناسب مع أسلوب معين في الإخراج. من غير المرجّح أن يرتكب النموذج اللغوي الكبير أخطاء هنا لأنه محصور ومحدود بما يدخل إليه.
كما يتم التعرف على النصوص في الصور (OCR)، وهو تقنية تُستخدم لتحليل النصوص في الصور، يستفيد منها معظم الناس، سواءً كانوا طلاباً يريدون تحويل خط يدهم إلى ملاحظات رقمية أو أشخاصاً يحتاجون وصولاً إلى أدوات لتسهيل عملهم، مثل: قراءة عناصر قائمة الطعام للمطاعم التي تفتقر لنظام "البرايل" للمكفوفين. إن النماذج اللغوية الكبيرة متعددة الوسائط قادرة على تحليل النصوص بذات الطريقة، ولكن الميزة الجديدة التي تقدمها هي القدرة على التفاعل مع الوثيقة وفهمها بدلاً من استخراج النص فقط. وهذا يمكّن من حالات طريقة استخدام متقدمة مثل: تفسير الجداول التي يصعب التعامل معها بتقنية التعرّف على النصوص في الصور التقليدية، شرح الرسوم البيانية لموضوعات تعتمد اعتماداً كبيراً على الرسم البياني، وتطوير الويب لتحويل التصميم الذي أُنشئ في تطبيق رسم بياني أو حتى يدوياً إلى نموذج شفرة عمل، تخيل تصميمك لموقع ويب على قطعة من الورق، ورفع صورة لذلك النموذج إلى نموذج لغوي كبير، وطلب تحويله إلى شفرة برمجية. أصبح هذا ممكناً الآن!
ب.الاستخدامات الخاصة بالمطوّرين: الانطلاق السريع للمشاريع (Bootstrapping) حيث يمكن للمطورين تجهيز المشاريع الجديدة للعمل بسرعة معقولة إذا كانوا على دراية باللغة وأدوات العمل، ويُمكنهم تطوير ميزات جديدة للمشاريع الصغيرة أو توسيع الشفرة البرمجية حيثما يناسبها ضمن نافذة السياق. سيستفيد المطورون من القدرة على تطوير واجهات المستخدم بشكل سريع باستخدام أدوات مثل (Vercel's v0)، التي تُنشئ آلية لتحويل النصوص إلى تطبيقات. بالطبع، تفتقر هذه الواجهة إلى المنطق البرمجي اللازم لتشغيلها، لكنها أداة مثيرة للاهتمام يُمكن أن تقلّل من الوقت المستهلك في المشاريع.
ويُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء توثيق للشفرة البرمجية عند تقديم تعليمات دقيقة وواضحة حول الشفرة وأسلوب البرمجة الخاص بالمشروع، ممّا يُسهم في تقليل الوقت والأخطاء البشرية. ومع ذلك، فإن المراجعات ضرورية لضمان توثيق الوظائف الفعلية.
قيود استخدام الذكاء الاصطناعي
  1. نافذة السياق: وهي نافذة للنموذج اللغوي الكبير، يتعلق بمدى قدرته على فهم محتوى الجلسة. قد يُلاحظ المستخدمون ذلك بعد التفاعل مع (ChatGPT) أو (Claude) لفترة من الوقت. إذ يبدو أن الذكاء الاصطناعي ينسى المعلومات التي ذُكرت في بداية الجلسة. هذا هو الحد الذي يجري الوصول إليه في نافذة السياق. تمنعنا هذه القيود من تحميل العديد من مستندات PDF إلى النموذج للحصول على تلخيص. وأكبر نافذة سياق جرى الوصول إليها كانت في نموذج جوجل (Gemini 1.5) في شباط 2024، حيث كانت تصل إلى مليون رمز (Token)، ممّا يمثل ساعة من الفيديو، 11 ساعة من الصوت، 30,000 سطر من الشفرة البرمجية، أو 700,000 كلمة. في المقابل، بعض النماذج الأخرى لا تتجاوز خمس 1/5 هذه السعة. تولد هذه القيود، حتى مع النماذج الأكبر، مشاكل في تطوير البرمجيات، حيث أن العديد من قواعد الشفرة البرمجية، خاصة في بيئات العمل الصناعية، تتجاوز بكثير حدود نافذة السياق لمعظم النماذج الحالية، ما يجعلها عرضة للفشل عند محاولة إضافة ميزة جديدة لتلك الشفرة. وهذا يعني أننا لن نصل إلى مستوى الأتمتة الذي "نغذّي فيه كل شيء إلى الآلة ونطلب إضافة أشياء جديدة" في المستقبل القريب. 
  2. المعلومات الجديدة: تتجاوز الموارد التي نُشرت حديثاً نطاق العديد من النماذج، بما في ذلك المكتبات (الشفرة البرمجية المتاحة من المطورين الآخرين للمساعدة في التطوير التي حُدثت تحديثاً كبيراً. على سبيل المثال، مكتبة (React) لتطوير الويب التي حصلت على إصدار في أواخر 2024، ممّا يجعلها غير متاحة للاستخدام في العديد من النماذج مثل (Claude Sonnet 3.5). وتشمل الأمثلة أيضاً الأوراق البحثية التي أُصدرت حديثاً، والكتب، والمقالات الأكاديمية، والتطورات في مجالات مختلفة مثل: البحث الطبي والهندسة المعمارية. محاولة التلاعب في هذه الحالة عن طريق تزويد النموذج بالمواد المطلوبة يُعيدك إلى القيود الخاصة نافذة السياق بشكل أسرع. 
  3. غرفة الصدى الكبرى : أحد الآثار الناجمة عن إنشاء المحتوى باستخدام النماذج اللغوية الكبيرة، ونشره على الإنترنت، هو أن نفس الزواحف (Crawlers) التي أُستخدمت لتدريب النموذج في البداية، ستعيد الآن تغذية النموذج بمخرجاته الخاصة. وغالباً ما يؤدي ذلك إلى مخرجات وأداء أقل جودة. 
  4. الدقة وجودة المعلومات: إحدى المشكلات الحالية التي تواجه النماذج اللغوية الكبيرة هي البيانات التي تُدرب عليها، فجمع كل ما هو متاح من الانترنت العام واستخدامه لتغذية النموذج، قد يبدو فكرة جيدة في البداية، لكن العواقب تظهر بمرور الوقت. يُعرَف مفهوم "المدخلات السيئة تؤدي إلى مخرجات سيئة" (GIGO) في علم الحوسبة، والذي ينص على أن المعلومات الخاطئة أو المنحازة أو ذات الجودة الرديئة، تولّد نتيجة أو مخرجات من ذات الجودة. عندما تُستخدم الكثير من البيانات دون فحصها أو مراقبتها بشكل صحيح، ينتج عنها العديد من المعلومات الخاطئة التي تصل إلى النظام، ناهيك عن المحتوى المثير للجدل من المنتديات المتطرّفة الذي قد يوجّه النموذج في اتجاه غير مرغوب فيه. إحدى الطرق التي ساعدت في تحقيق شهرة لنموذج (Llama) من (Meta) ،هو أنه استخدم مجموعة بيانات أصغر فُحصت ودُقّقت لضمان أفضل جودة للمدخلات، ما أدى إلى أداء أفضل مقارنةً بنماذج أخرى في وقت إطلاقه.
  5.  تعلم مواضيع جديدة: لا تُعد النماذج اللغوية الكبيرة أدوات فعّالة لتعلم موضوع جديد، خاصة إن لم يكن لدى الشخص خلفية سابقة في هذا الموضوع لتقييم المعلومات. العديد من النماذج اللغوية الكبيرة عرضة للهلوسة. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا النوع من التعلّم ليس مختلفاً كثيراً عن تلقّي المعلومات بشكل سطحي في الجامعة. قد يُساعد الاستفهام الذكي في شرح بعض الأمور، لكن لا شيء يضمن أن تلك الشروحات ستكون دقيقة أو صحيحة على أي مستوى. من جانب آخر هو أن التعلم والتطور يتطلبان التحدّي، فدائماً ما يوجد تحدّي يجب تجاوزه، وإلا فهذا يعني أنك بالفعل تعرف ما تحاول تعلّمه.
  6. التعبير الشخصي: كما أُشير سابقاً، يُمكن أن يؤدي استخدام النماذج اللغوية الكبيرة إلى ما يقلل من حضورك وتأثيرك الشخصي وأسلوبك الكتابي الفريد. سيُقلص النموذج من حضورك وتأثيرك إلى ما يظنُ أنه النمط السائد، الأمر الذي يقلل من حضورك الشخصي وإبداعك. بالإضافة إلى ذلك، مع الاستخدام الشائع للنماذج اللغوية الكبيرة في هذا المجال، نواجه كمية كبيرة من المحتوى الذي يفتقر إلى الجوهر والقيمة واللمسة الشخصية. الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في مهام الكتابة سيؤدي في النهاية إلى إعاقة القدرة على الكتابة والتفكير. يُمكن أن تكون النماذج اللغوية الكبيرة أدوات رائعة لإجراء التعديلات البسيطة والتغييرات، ولكن لا ينبغي الاعتماد عليها لإنتاج قطع كاملة من الكتابات التي تبدو مشابهة لما يكتبه الجميع، حتى لو لم يكن ذلك هو طابعك الشخصي بعد الآن.
الخلاصة : يقدم الذكاء الاصطناعي لنا قدرات مذهلة وقيوداً مقلقة. بينما نستكشف هذا المجال التكنولوجي، علينا أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي بتفاؤل مدروس، من خلال الاستفادة من قوتهِ مع الاعتراف بحدوده. لا يعتمد مستقبل الذكاء الاصطناعي على التقدم التكنولوجي فحسب، بل أيضاً على دمج هذه الأدوات في المجتمع اندماجاً مدروساً.


Article Information

Details

  • Author:أدهم عمران
  • Published:October 3, 2025
  • Issue:16
  • Read Time:20 min

Need Custom Analysis?

Contact our research team to discuss your specific business landscape analysis needs.

Contact Us
More from 16