
16•Article
التغيّر المناخي والهجرة في بلاد الرافدين
روان برزانOctober 3, 202515 min read
Article Summary
التغيّر المناخي في العراق—شحّ المياه، التصحّر (≈39%)، العواصف الترابية والحرّ—يضرب الزراعة والثروة الحيوانية ويدفع للنزوح الداخلي (أكثر من 62 ألف شخص 2019–2023 ونحو 23 ألف عائلة في 2024) والهجرة للخارج، خصوصًا من الجنوب. تتفاقم الضغوط في المدن. المطلوب عاجلًا: إدارة مياه أفضل، زراعة مستدامة، دعم للنازحين، وتمويل وشراكات دولية للتكيّف.
التغيّر المناخي والهجرة في بلاد الرافدين
IN2
روان برزان
محلل أبحاث أقدم
- المقدمة
- السياق
يُعدّ العراق من بين الدول الأكثر عرضةً لتأثيرات التغيّر المناخي، ويزدادُ هذا الضعف نتيجة عقود من الصراع، وعدم الاستقرار السياسي، والتحديات الاقتصادية. يواجه العراق ارتفاعاً في درجات الحرارة، وتكراراً متزايداً لحالاتِ الجفاف، وظواهر مناخية متطرّفة تؤثرُ على الإنتاج الزراعي، وتوافر المياه، وسبل العيش، لا سيما في المناطق الريفية. وتُهدد هذه الضغوط البيئية الأمن الغذائي، وتزيدُ من ضغوطِ الهجرة، سواء داخل العراق أو خارجه. ومع ازديادِ ظاهرةِ النزوحِ المرتبط بالمناخ، فإنَّ العلاقة بين تدهورِ البيئة والهجرة أصبحت جلية، لكنها لاتزال غير مُتناولة بالشكلِ الكافي ضمن السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأوسع للعراق.
- الغرض
يهدفُ هذا البحث إلى دراسةِ العلاقة المُعقدة بين التغيّر المناخي والهجرة في العراق، مع التركيز على النزوح الداخلي والخارجي على حدٍّ سواء. ومن خلال دمج البيانات الأولية – المستخلصة من مقابلاتٍ مع أفرادٍ تأثروا مباشرةً بالتغيّرِ المناخي – والبحوث الثانوية، يُسلطُ هذا البحث الضوءَ على الحاجةِ المُلحة؛ لاتخاذِ إجراءاتٍ لمعالجةِ الأسباب البيئية للهجرة. وتقدم النتائج توصيات سياسية قابلة للتنفيذ لصنّاع القرار في الحكومة العراقية والجهات الدولية الفاعلة، من أجل التخفيف من آثارِ التغيّرِ المناخي، ودعم المجتمعات المُهجرة.
- المناخ المتغيّر في العراق
يُعدّ العراق واحد من أكثر دول العالم عُرضةً للتغيّر المناخي، نتيجة تداخل عوامل جغرافية وسياسية وبيئية. وتشملُ أبرز التأثيرات المناخية: شُحة المياه، والتصحّر، وارتفاع درجات الحرارة، والظواهر الجوية المتطرّفة، وكلّها تُشكل ضغطًاً هائلاً على الأنظمة الزراعية الهشة في العراق، وتُفاقم من حدةِ الهجرة.
- تدهور البيئة
- شحة المياه: شهدَ العراق انخفاضاً بنسبة 10% في متوسط معدلات الأمطار السنوية، كما انخفضَ منسوبُ نهري دجلة والفرات – وهما المصدران الرئيسان للمياه في البلاد – بأكثر من 40%. وتؤدي هذه التغيّرات إلى تقويضِ الأنظمة الزراعية في العراق، وتهديد سبل عيش ملايين الأشخاص الذين يعتمدون على الريّ في زراعةِ محاصيلهم.
- الجَفاف والتصحّر: ما يقربُ من 39% من الأراضي العراقية مهددة بالتصحّر، ما يزيد من تفاقم أزمة شحة المياه. ومع انخفاض خصوبة الأرض وقابليتها للعيش، تواجه العديد من المجتمعات الريفية احتمال التخلي عن مناطقها.
- العواصف الترابية: تتسبب العواصف الترابية المتكررة في التأثير على صحة ملايين العراقيين، مما يؤدي إلى انتشار أمراض الجهاز التنفسي وارتفاع معدلات دخول المستشفيات. ففي عام 2022 وحده، تم إدخال أكثر من 5,000 شخص إلى المستشفيات بسبب شدة هذه العواصف.
- الحرارة الشديدة: يشهدُ العراقُ ارتفاعاً مستمراً في درجاتِ الحرارة، إذ تشيرُ التقديرات إلى زيادةٍ سنويةٍ بمعدل 1.6 درجة مئوية. ويؤدي هذا الارتفاع إلى الضغطِ على صحةِ الإنسان، والزراعة، وجودة الحياة بشكلٍ عام، خصوصاً في المناطق الجنوبية والوسطى من البلاد.
- السيول المفاجئة: إلى جانب حالات الجفاف، أصبحت السيول المفاجئة أكثر تكراراً، وتسببت في تهجير آلاف الأشخاص، وتدمير الأراضي الزراعية، ما أسهمَ في تفاقم اتجاه الهجرة من المناطق المتضررة.
- الزراعة وسبل العيش
لطالما كانت الزراعةُ حجرَ الأساسِ في الاقتصاد العراقي، لا سيما في المناطق الريفية. إلا أنَّ تأثيرات التغيّر المناخي – بما في ذلك انخفاض توفر المياه، وزيادة ملوحة التربة، والتغيّرات المناخية غير المنتظمة – قد قوضت هذا القطاع بشكلٍ حاد. ومع تراجع إنتاجية المحاصيل، تغدو الزراعة أقل جدوى يوماً بعد يوم، مما يجبرُ العديد من العائلات على التخليّ عن سبلِ عيشهم التقليدية.
- الثروة الحيوانية والأمن الغذائي: أدى شح المياه، وتدهور المراعي إلى انخفاضٍ كبير في أعدادِ الثروةِ الحيوانية، وهو ما أثّر بشكلٍ مباشر على الاقتصادِ الريفي، وتسببَ في تقليصِ دخلِ العديد من العائلات الزراعية، مما دفعهم نحو قرار الهجرة. وقد لاحظ المجتمع الدولي أنهُ في عامي 2021 و2022، أدت حالات فشل المحاصيل إلى تفاقم انخفاض أعداد الماشية في مناطق، مثل: نينوى، والأنبار، مما جعلَ الزراعة التقليدية، وتربية المواشي غير مُستدامة.
- تأثير التغيّر المناخي على إنتاج المحاصيل: تُعدّ المحاصيل الأساسية، مثل: القمح، والشعير، والتمور، من الأعمدة الرئيسة لصادراتِ العراق الزراعية، وهي شديدة الحساسية لتغيّر المناخ. فقد أدى انخفاض توافر المياه، إلى جانب ارتفاع ملوحة التربة، إلى تراجعٍ في إنتاجيةِ المحاصيل. ومع تراجع جدوى الزراعة، تواجه المجتمعات الريفية مستويات متزايدة من الفقرِ وانعدامِ الأمنِ الغذائي، ممّا يدفع السكان إلى الهجرة نحو المدن أو إلى الخارج بحثاً عن فرصِ عمل.
2.2.3 المناطق المتأثرة بالمناخ في العراق
تحملت المحافظات الجنوبية من العراق – ولا سيما البصرة وذي قار وميسان – العبء الأكبر من هذه التغيّرات البيئية. ولكن لا يقتصر تأثير التغيّر المناخي على هذه المناطق فقط، إذ تشهد محافظات أخرى، مثل: بغداد، وبابل، وواسط، ونينوى، تأثيرات مناخية شديدة أيضاً، وإن كانت بدرجاتٍ متفاوتة تبعاً للجغرافية المحلية، وتوافر الموارد المائية.
- الهجرة الناتجة عن التغيّر المناخي في العراق
أصبحت الهجرة في العراق مدفوعةً بشكلٍ متزايدٍ بالتغيّرِ المناخي، وهي تتقاطعُ مع حالةِ عدم الاستقرار السياسي، والتحديات الاجتماعية، والاقتصادية القائمة. فالهجرة ليست مجرد نتيجة لتدهورِ البيئة، بل هي أيضاً رد فعل على هشاشةِ أوسعِ نطاقٍ في الاقتصاد والأمن، تفاقمت بفعلِ أزمة المناخ.
- الهجرة الداخلية من الريف إلى المدينة
يشكلُ الانتقال من المناطق الريفية إلى المراكز الحضرية النسبة الأكبر من حالات الهجرة الداخلية في العراق. ففي الفترة بين عامي 2019 و2023، هاجرَ أكثر من 62,000 شخص من المناطق الريفية إلى المدن؛ بسببِ شُحِّ المياه، وتراجع الإنتاج الزراعي. وبحلول عام 2024، سُجلَ نزوح أكثر من 23,000 عائلة (أي ما يُقارب 140,000 شخص) في 12 محافظة، معظمهم من المناطق المعرضة للمناخ، مثل: ذي قار وميسان.
- الضغط الحضري: أدى هذا النزوح الداخلي إلى خلقِ ضغطٍ هائل على البنيةِ التحتيةِ الحضرية. وتعاني مدن، مثل: بغداد والبصرة من صعوبةِ استيعاب هذا التدفق السكاني، ممّا أدى إلى توسّع الأحياء العشوائية المكتظة. وغالباً ما تفتقرُ هذه التجمعات إلى الخدمات الأساسية، مثل: المياه والكهرباء، الأمر الذي يزيدُ من تعقيدِ تحدياتِ التوسعِ الحَضري.
- الهجرة الخارجية
فضلاً عن النزوح الداخلي، سعى العديدُ من العراقيين إلى اللجوءِ خارج البلاد، وخصوصاً إلى أوروبا. ولا تعود دوافع الهجرة الخارجية إلى الأسباب البيئية فحسب، بل تشملُ أيضاً عدم الاستقرار الاقتصادي، والاضطرابات السياسية التي يعاني منها العراق منذ سنوات. وتتركزُ موجات الهجرة بشكلٍ خاص من مناطق مثل: نينوى، السليمانية، واسط، والبصرة، إذ يسعى الكثيرون للحصول على اللجوء، أو فرص اقتصادية أفضل في أوروبا.
- طرق الهجرة والمخاطر: يسلكُ العديد من هؤلاء المهاجرين طرقاً غير نظامية، ويعتمدون على مدخراتهم الشخصية أو على شبكات الدعم الاجتماعي بدلاً عن المهربين. ولكن هذه الرحلات محفوفة بالمخاطر. وتُظهر المآسي الأخيرة، مثل: غرق قارب يُقلُ مهاجرين أكراد في البحر الأبيض المتوسط عام 2024 مدى خطورة الأوضاع التي يواجهها أولئك الفارون من أزمات سببها التغيّر المناخي.
- تجارب العراقيين: ديناميكيات التغيّر المناخي والهجرة
تتشابك تجربة الهجرة في العراق بعمقٍ مع الديناميكيات العائلية، واختلاف وجهات النظر بين الأجيال، والظروف الاجتماعية والاقتصادية. فالكثير من الأفراد في المناطق المتأثرة لا يملكون خياراً سوى المغادرة، بعدما أصبحت سبل العيش التقليدية غير مُستدامة. ولكن غالباً ما يكون قرار الهجرة معقداً، ويحملُ شحنةً عاطفيةً كبيرة.
- دوافع الهجرة والمناخ: الفجوات والتصورات
رغم إدراك معظم العراقيين للتغيّرات البيئية التي تؤثرُ على حياتهم، إلا أنَّ اللغة التي يستخدمونها تميلُ إلى التركيز على العواقب الفورية، مثل: فشل المحاصيل، بدلاً عن الإشارة إلى التغيّر المناخي مباشرةً. فإنَّ العجزَ عن الاستمرار في أنماطِ الحياة التقليدية، خصوصًا في المناطق الريفية، يدفعُ الكثيرين نحو الهجرة.
- المخاوف الصحية والبيئية
تُعد التحديات الصحية – التي تفاقمت بسبب الظواهر المناخية المتطرّفة – من أبرزِ العوامل الدافعة للهجرة. فموجات الحر الشديد، والعواصف الترابية، تؤدي إلى أمراضٍ تنفسيةٍ وأمراضٍ منقولةٍ عبر المياه، ما يشكلُ عبئاً إضافياً على النظام الصحي في العراق. كما أنَّ تلوثَ الهواء الناتج عن الصناعات النفطية، ونقص الوصول إلى مياهِ شربٍ نظيفة، يزيدان من المخاطر الصحية، ويؤديان إلى مزيدٍ من عدمِ الاستقرار الاجتماعي.
- النزوح الاجتماعي والاقتصادي
ينتجُ عن تدهور البيئة أثرٌ اجتماعيٌّ واقتصاديٌّ عميق. فمع تدمير الأراضي الزراعية، وفقدان الثروة الحيوانية، وتراجع الموارد المائية، يُدفع الكثيرون إلى هاوية الفقر. ومع انهيار سبل العيش الريفية، يلجأ الناسُ إلى المدن أو إلى الخارج، حيث يواجهون تحديات جديدة، مثل: نقص السكن المناسب، وفرص العمل المحدودة، والتوترات الثقافية.
- تأثير التغيّر المناخي على قرارات الهجرة
تلعبُ الديناميكيات العائلية دوراً مهماً في قرارات الهجرة في العراق. إذ ترى الأجيال الشابة الهجرة كوسيلةٍ ضروريةٍ للهروبِ من الظروف المتدهورة، بينما تميلُ الأجيالُ الأكبر إلى المقاومة، نتيجة الارتباط العاطفي العميق بالأرض. وتؤدي هذه التوترات بين الأجيال إلى تعقيدِ عملية اتخاذ القرار، وتنقسمُ العائلات بين البقاء والمغادرة.
- قرارات الهجرة والعلاقات الأسرية
يشكلُ التعلقُ الجذريُّ بالأرضِ عاملاً أساسياً في قراراتِ الهجرة لدى الكثير من العراقيين. فبالنسبة للأجيال الأكبر سناً، يُعد التخليّ عن موطن الأجداد أمراً صعب القبول، حتى في مواجهة تحديات ناتجة عن التغيّر المناخي. ولكن تدهور الظروف البيئية غالباً ما يدفعُ الأفراد الأصغر سناً إلى الإصرار على الهجرةِ كخطةٍ للبقاء.
- الخاتمة
يُعززُ التغيّر المناخي من هشاشةِ الوضع القائم في العراق، لا سيما في المجتمعات الريفية المعتمدة على الزراعة. وتُظهر العلاقة بين تدهور البيئة، وارتفاع معدلات الهجرة – سواء الداخلية أو الخارجية – ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة من الحكومة العراقية للحدِ من آثارِ التغيّرِ المناخي على الفئات السكانية الهشّة. ينبغي أن تركّزَ السياسات الوطنية على تحسين إدارة المياه، وتعزيز الممارسات الزراعية المستدامة، وتوفير الدعم للمجتمعات المهجرة.
كما أنَّ التعاون الدولي يُعد أمراً ضرورياً، إذ ينبغي على الاتحاد الأوروبي، والجهات الدولية الأخرى، توفير التمويل، والخبرات؛ لتنفيذ مشاريع تعزز القدرة على التكيّف مع التغيّر المناخي، مع التأكيد على حماية حقوق المهجرين ضمن السياسات المتعلقة بالهجرة. لقد حانَ وقتُ التحرّك، إذ إنَّ آثار التغيّر المناخي آخذةٌ في التفاقم. ويجب على العراق أن يتصدرَ هذا التحول من خلالِ إعطاء الأولوية لسياساتِ التكيّفِ المناخي، والتقليل من الضغوط التي تدفعُ نحو الهجرة.
- إشراك الأطراف المعنية
تتطلبُ مواجهةُ الهجرة الناتجة عن التغيّر المناخي اتباعَ نهج منسق، يشمل الحكومة العراقية، والمانحين الدوليين، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني. ينبغي أن تتولى الحكومة العراقية زمام القيادة من خلال تنفيذ سياسات شفافة، وفعّالة، تعالجُ التغيّر المناخي، وتأثيرهُ على الهجرة، مع ضمانِ إشراكِ المجتمعات المحلية في عمليةِ صُنعِ القرار. ويُمكنُ للقطاع الخاص أن يُسهمَ في ذلك من خلالِ تعزيز التقنيات الزراعية المُستدامة التي ترفع من الإنتاجية. أمّا منظمات المجتمع المدني، فتلعبُ دوراً حاسماً في تمكينِ المجتمعات المحلية، والدفاع عن القدرةِ على الصمودِ في وجهِ التغيّراتِ المناخية.
البحث الكامل متاح على موقع IN2
Article Information
Details
- Author:روان برزان
- Published:October 3, 2025
- Issue:16
- Read Time:15 min
Need Custom Analysis?
Contact our research team to discuss your specific business landscape analysis needs.
Contact UsMore from 16













