BLM 16
16•Article

عندما تنفد المساعدات المالية: معضلة التوظيف التي تواجهها اليد العاملة في المنظمات الدولية غير الحكومية في العراق

أنس مرشدOctober 3, 202515 min read

Article Summary

مع تقلّص تمويل المانحين وخروج منظمات دولية من العراق، يواجه آلاف الموظفين المحليين بطالةً وفجوة مهارية لا تلائم وتيرة ومتطلبات القطاع الخاص. يقترح المقال خريطة طريق عملية: خفض التوقّعات، صقل الإنجليزية والمهارات السوقية، قبول أدوار دخول/تدريب، أو تحويل الخبرة إلى استشارات موجهة لاحتياجات السوق.

عندما تنفد المساعدات المالية: معضلة التوظيف التي تواجهها اليد العاملة في المنظمات الدولية غير الحكومية في العراق

أنس مرشد
مؤسس مجموعة مرشد لتطوير الأعمال والعلاقات العامة
مقدمة
يجري أثناء تقليص المنظمات الدولية غير الحكومية عملياتها في العراق تحوّل عميق يؤثر بشكل رئيسي على اليد العاملة المحلية، وليس هذا التحوّل مجرد تغيير تنظيمي، بل يعكس التقاءً معقّداً للاضطرابات على الصعيد المهني والاقتصادي والنفسي، والتي تعيد تشكيل فرص التوظيف للأفراد الذين سلكوا مسارهم المهني في السابق ضمن منظمات مموّلة دولياً.
التغيّر في تخصيص التمويل وأولويات المانحين
في ظلّ التطوّرات العالمية الأخيرة، تنسحب العديد من المنظمات الدولية من العراق أو تعيد توجيه تركيزها إلى مناطق أخرى. ويعود هذا التحوّل بشكل رئيسي إلى تغيّر أولويات الدول المانحة، حيث يُعاد الآن توجيه الموارد المالية نحو أزمات في مناطق مثل سوريا وغزة وأوكرانيا والسودان. وفي الوقت ذاته، تواصل الحكومة العراقية تقديم نفسها بصورة متزايدة كدولة تعتمد على ذاتها وتتمتع باستقرار اقتصادي، مما يُسرّع من وتيرة خروج منظمات المساعدات الأجنبية. ولا تقتصر هذه التحديات على العراق وحده، لكن استعداداته أقل ربما مقارنةً ببعض الدول الأخرى التي تشهد تغيّراً مماثلاً.
يمتدّ هذا الاتجاه ليشمل طيفاً واسعاً من الجهات الدولية، ولا يقتصر على المنظمات المموّلة من الولايات المتحدة. فوفقاً للتقارير، بدأت منظمات مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر وعدد من الكيانات التابعة لبعثة الأمم المتحدة في العراق، بالإضافة إلى منظمة أطباء بلا حدود، بتسريح موظفين عراقيين أو الاعتماد على عقود قصيرة الأجل، بل وحتى نقل بعض الموظفين العراقيين إلى دول أخرى حيث الاحتياجات الإنسانية أكثر إلحاحاً.
بالنسبة لأولئك الذين ما يزالون يعملون في مجال المنظمات الدولية غير الحكومية في العراق، فإن هذا يشكّل جرس إنذار. فالمشهد يتغيّر بسرعة ويرجّح أن تحدث عمليات التسريح المقبلة في وقت أقرب مما يُتوقّع. لذا، فإن التخطيط للخطوة المهنية التالية ليس مجرّد خيار يُنصح به، بل ضرورة حتمية.
إشكاليات التنمية المُعتمِدة على المانحين
يتزايد الشك بشأن اتجاه برامج التنمية الدولية الأخيرة في العراق، فالعديد من المبادرات أعطت الأولوية لريادة الأعمال، لا سيما في قطاع التكنولوجيا، مستندة إلى اهتمامات المانحين أكثر من الإلمام بالاحتياجات المحلية للعراق. وعلى الرغم من أن الابتكار وريادة الأعمال لهما دور في تطوير بيئة الأعمال، إلا أن هذا التركيز جاء في كثير من الأحيان على حساب التنمية المستدامة طويلة الأمد في قطاعات حيوية مثل الزراعة والصناعة والبُنى التحتية.
في الواقع، يمكن للعراق أن يحقق مكاسب أكبر بكثير بما يخصّ الاستدامة وتوفير فرص العمل عبر الاستثمار في الزراعة مقارنةً بريادة الأعمال والمشاريع الرقمية. ويزداد الأمر أهمية بالنظر إلى تدني مستويات التحصيل العلمي والوعي الرقمي في البلاد عموماً، ما قد يحدّ من قدرة الأفراد على المشاركة في المبادرات القائمة على التكنولوجيا.
إضافة إلى ذلك، تركّز العديد من برامج التنمية على مواضيع مثل تمكين المرأة وريادة الأعمال وتغيّر المناخ، ورغم أهمية هذه القضايا، فإن المبادرات القصيرة الأجل التي تركز على الظهور الإعلامي – مثل المؤتمرات والفعاليات والحملات المجتمعية والجلسات الحوارية – غالباً ما تفتقر إلى نتائج قابلة للاستمرار والتوسّع على المدى البعيد. ممّا أدى إلى فجوة في الجهود التنموية الملموسة وطويلة الأمد، وهي جهود كان من الممكن أن تسهم في توفير مصدر دخل حيوي للعديد من المجتمعات العراقية وتمتلك إمكانات كبيرة لتحقيق نمو مستدام.
أثر تقليص تمويل المنظمات الدولية غير الحكومية على اليد العاملة المحلية
  • مواجهة الغموض
من بين أكثر النتائج المباشرة والملحّة لهذا التحوّل هو تنامي الشعور بعدم الاستقرار لدى الموظفين المحليين السابقين في المنظمات الدولية غير الحكومية، فمع إنهاء العديد من هذه المنظمات للعقود طويلة الأجل، يواجه هؤلاء الأفراد البطالة، وقد يشهدون تراجعاً واسع النطاق في تطلعاتهم الشخصية والمهنية. أما الذين كانوا يأملون بالحصول على إقامة دائمة في الخارج، وخصوصاً في الولايات المتحدة عبر مسارات الهجرة أو البطاقة الخضراء، فقد شكّل انسحاب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وغيرها من مصادر التمويل نهاية لمسار مهني كان يُنظر إليه سابقاً كطريق مهني موثوق ومستقر. ما كان يُعدّ مساراً مهنياً منظّماً وثابتاً، تحوّل اليوم إلى مشهد تتسم ملامحه بالغموض وعدم اليقين.
● عدم مواءمة المهارات وضعف التكيّف المهني
أصبح العديد من موظفي المنظمات الدولية يعانون من جمود في نموّهم المهني، بعدما افترضوا أن هذه الوظائف ستكون مسارات مهنية طويلة الأمد ومستقرة، وقد مكّنهم العمل ضمن هذه المنظمات من بناء علاقات بسهولة مع منظمات أخرى والتواصل مع جهات حكومية، إلّا أن "منطقة الراحة" هذه خلقت لديهم شعوراً بالاعتماد، وتركت كثيرين غير مهيّئين لمتطلبات سوق العمل العراقي المتغيّر والتحديات المهنية الجديدة.
البيئة الوظيفية داخل المنظمات الدولية غالباً ما تكون مبنيّة على إجراءات موحّدة، مثل إعداد التقارير وصياغة الموجزات وإدارة العمليات المحددة. ونتيجة لذلك، يطوّر الموظفون مهارات ترتبط بالتوثيق والاجتماعات والتواصل عبر البريد الإلكتروني، أكثر من اكتسابهم للخبرة العملية والنتائج الملموسة. وتتناسب هذه الكفاءات مع أدوار في التنسيق والدعم والرصد والتقييم، لكنها في الغالب لا تتماشى مع متطلبات القطاع الخاص في العراق، الذي يتّسم بوتيرة عمل متسارعة وطابع أكثر ديناميكية.
نظراً لأن طبيعة عملهم كانت تتركّز أساساً على التنسيق، فقد اتبعوا نماذج تقارير مُعدّة مسبقاً تُستخدم بشكل موحّد عبر مكاتب منظماتهم الدولية، مما أدى إلى تعرض محدود لأنماط عمل أكثر مرونة أو قائمة على النتائج. ومع اتجاه العراق نحو التحوّل الرقمي وتبنّي أنظمة تخطيط موارد المؤسسات، تزداد أهمية القدرة على العمل ضمن بيئات مرنة ومتكاملة تقنياً. وهذا التحوّل يُعمّق الفجوة بين المهارات التي يمتلكها موظفو المنظمات الدولية السابقون واحتياجات السوق المحلي المتجددة.
علاوة على ذلك، فإن خبراتهم كانت تتركز بشكل كبير حول إنفاق المساعدات المالية وإدارة مشاريع إنسانية مموّلة من المانحين، بدلاً من تحقيق عوائد مالية. وقد أدى ذلك إلى افتقار العديد منهم إلى المهارات الأساسية في مجالات الأعمال والمبيعات والتسويق وإدارة الأزمات، الامر الذي يجعل الانتقال إلى القطاع الخاص ذا الطابع التنافسي في العراق تحدياً بالغ الصعوبة.
  • العلاقات على حساب الكفاءة
غالباً ما كانت ممارسات التوظيف داخل المنظمات الدولية غير الحكومية تعتمد بشكل مفرط على العلاقات الشخصية بدلاً من الاعتماد الكامل على المؤهلات. وقد أتاح هذا النظام فرصاً للبعض، لكنه في الوقت ذاته ترك العديد من الأشخاص المؤهّلين دون عمل. ومع انسحاب هذه المنظمات من العراق نتيجة تعليق التمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، لم تعد هذه الشبكات المبنية على العلاقات تُنتج فرصاً جديدة داخل القطاع الخاص.
الفجوة بين التوقّعات وواقع القطاع الخاص العراقي
هناك فجوة واضحة بين العمل في المنظمات الدولية غير الحكومية والقطاع الخاص العراقي، لا سيما فيما يتعلق بالرواتب والمزايا والقدرة على التكيّف. فالانتقال إلى القطاع الخاص يتطلّب من موظفي المنظمات السابقة التكيّف مع ثقافة عمل مختلفة، قد تفتقر إلى المزايا الهيكلية التي اعتادوا عليها، مثل التأمين الصحي والضمان الاجتماعي وأسبوع العمل الموحّد من خمسة أيام مع عطلات نهاية الأسبوع.
ما زال الكثيرون من هؤلاء الموظفين المحترفين يسعون إلى الحصول على الرواتب المرتفعة التي كانوا يتقاضونها سابقاً، والتي كانت أكثر شيوعاً في بيئة المنظمات الدولية غير الحكومية. غير أن هذا المستوى من التعويض المالي نادر في القطاع الخاص المحلي، وغالباً يقتصر على عدد محدود من الشركات والجهات التي قد لا تتماشى ممارساتها مع القيم التي يتمسّك بها موظفو المنظمات السابقون، مما يضعهم أمام تحدٍ أخلاقي، فبينما يسعون الى الحفاظ على مستواهم المعيشي، ففي بيئة القطاع الخاص، قد يتطلّب ذلك تنازلات عن قيم كانوا يعدّونها محورية، مثل العمل المجتمعي والشفافية وروح ريادة الأعمال. ومن ثم، فإن الاندماج الناجح في سوق العمل المحلي يتطلب أكثر من مجرد توافق في المهارات، بل يستوجب إعادة ضبط للتوقعات، بل وإعادة نظر في القيم أحياناً.
كيف نبدأ من جديد؟
تُعدّ إجادة اللغة الإنجليزية واحدة من أهم المهارات المطلوبة في سوق العمل العراقي اليوم. ومن الجدير بالذكر أن الموظفين السابقين في المنظمات الدولية يمتلكون مهارات تواصل قوية مع الأجانب، نتيجة لطبيعة عملهم السابق ضمن منظمات دولية غير حكومية تنتمي إلى بلدان متعددة. وهذه نقطة إيجابية جداً، إذ يمكن للشركات العراقية الاستفادة من هذه المهارات واستثمارها، إلى جانب المهارات الفنية الأخرى التي يمتلكها هؤلاء الأفراد.
ومع ذلك، فإن الشركات العراقية غير قادرة على توفير فرص عمل لهذا العدد الكبير من الأشخاص، نظراً لمحدودية الفرص المتاحة في القطاع الخاص. وبناءً عليه، تبقى الخيارات المتبقية محصورة في القطاع العام، أو التوجّه نحو العمل الحر من خلال تعلّم مهارات جديدة، مثل الاستشارات.
لكننا هنا نواجه إشكالية أخرى: فحتى عندما يؤسّس بعض هؤلاء الأفراد شركاتهم الاستشارية الخاصة، تبقى فرص النمو محدودة، نظراً لعدم توافق المهارات التي يمتلكونها مع احتياجات السوق العراقي.
ويتجه البعض الآخر نحو التعليم العالي والسعي للحصول على منح دراسية، وغالباً ما يكونون من خريجي الجامعات الحكومية، على أمل الحصول على وظائف في شركات عراقية. لكن الواقع يقول إن القطاع الخاص يعتمد على المهارات لا على الشهادات الأكاديمية. وهناك حقيقة إضافية وهي أن إكمال التعليم العالي يرفع سقف التوقّعات لدى الأفراد بشأن نوعية الوظائف التي يعتقدون أنهم يستحقونها، وفي الوقت ذاته تُقلّل من فرصهم الفعلية في الحصول عليها.
لذلك، فإن البدء بالعمل في القطاع الخاص—حتى لو كان ذلك من خلال وظيفة للمبتدئين أو تدريب عملي—يُعد خطوة مناسبة لصقل المهارات وتعزيز السيرة الذاتية. لكن يبقى السؤال: هل موظفي المنظمات الدولية السابقين مستعدّين لتقديم تنازلات من أجل اتخاذ الخطوة الصحيحة؟

Article Information

Details

  • Author:أنس مرشد
  • Published:October 3, 2025
  • Issue:16
  • Read Time:15 min

Need Custom Analysis?

Contact our research team to discuss your specific business landscape analysis needs.

Contact Us
More from 16