BLM 16
16•Article

هل بغداد مدينة للناس أم للسيارات؟

فاطمة سهيلOctober 3, 202510 min read

Article Summary

المقال يشخّص ازدحام بغداد كحصيلة عقود من التخطيط المُنحاز للسيارات: شوارع عريضة، فصل وظيفي للأحياء، وإهمال النقل العام—على نهجٍ انتقدته جين جايكوبز وأنتج مدنًا أقل حيوية. بغداد تكرر النموذج: كل توسعة للطرق تجلب مزيدًا من السيارات، والجسور تقطّع الأحياء ولا تحل الأزمة. البديل: تبنّي مبادئ “المدينة القابلة للمشي” عند جيف سبيك (أن يكون المشي مفيدًا/آمنًا/مريحًا/ممتعًا)، وشبكات دراجات محمية، وفكرة “مدينة الـ15 دقيقة”، مع استثمار جاد في نقل عام موثوق يربط الأحياء والضواحي، وتشجيع الاستخدامات المختلطة—وبالمقابل التوقف عن توسيع الطرق وبناء المجسّرات. المدينة تُصمَّم للناس أولًا، لا للمركبات.

هل بغداد مدينة للناس أم للسيارات؟

فاطمة سهيل
محللة أبحاث- كابيتا البحثية
يواجه معظم الناس في بغداد يومياً نفس المعضلة: اجتياز الشوارع المزدحمة، إذ تُصبح الدقائق ساعات، وتتحول الرحلة اليومية إلى العمل أو المدرسة إلى تحدٍ مرهق. فالأمر لا يتعلق فقط بالتأخير، بل يؤثر ذلك على جودة الحياة، ويزيد من التوتر، ويستنزف الطاقة والموارد التي بالإمكان توظيفها توظيفاً أفضل. لم تنشأ هذه المشكلة المرورية بين ليلةٍ وضحاها، بل هي نتيجة سنوات من النموِ غير المدروس، والاعتماد المفرط على السيارات الخاصّة، وغياب التخطيط الحضري السليم. ومع ازدياد عدد السكان والسيارات على الطرق، لم يعد بالإمكان تأجيل البحث عن حلولٍ فعّالة. فكيف يُمكن أن تصبح بغداد مدينة يسهلُ التنقل فيها؟ وهل يُمكن أن تصبح الرحلات اليومية أقل إزعاجاً؟
كيف شكّل التاريخ الواقع المروري الحديث؟
تأثّر تصميم مدننا الحالية بشدة بالتاريخ، لا سيما بمرحلة "الفوردية". ففي أوائل القرن العشرين، أحدث "هنري فورد" ثورةً في صناعةِ السيارات من خلالِ إدخال خطِ التجميع، ما جعلَ السيارات في متناول المواطن العادي. قبل ذلك، كانت المدنُ مصممةً للمشي ووسائل النقل العام، بشوارع ضيقة، وبنية عمرانية قائمة على التقارب بين أماكن السكن والعمل والتسوق.
لكن مع شيوع السيارات، تغيّرَ شكل المدن لتلائمها. فتوسعت الشوارع، وبُنيت الطرق السريعة، وأصبحت المساحات الحضرية أكثر تباعداً وتشتتاً. وقد أسهمت الحكومات في ذلك أيضاً من خلال تخطيط البنية التحتية لتخدم السيارات، بدلاً عن المشاة أو وسائل النقل العام. وحتى اليوم، لا تزال العديد من المدن تعطي الأولوية للسيارات على حساب قابلية المشي، وفاعلية النقل العام. وفهم هذا التاريخ يوضحُ سبب تفاقم مشكلة المرور، ولماذا تحتاج مدن مثل بغداد إلى تخطيط حضري أفضل يركز على النقل الجماعي، والمساحات الصالحة للمشي، والأحياء متعددة الاستخدامات (أي التي تجمع بين السكن والمتاجر والخدمات في منطقة واحدة)، بهدفِ تقليل الاعتماد على السيارات، وتعزيز الحياة المجتمعية الحيوية التي يسهلُ التنقل فيها سيراً على الأقدام.
النهج الأمريكي في التخطيط الحضري
كان من المفترض أن يؤدي النهج الأمريكي في التخطيط الحضري إلى إنشاءِ مدنٍ أكثر تنظيماً وكفاءة. ولكن، كما أوضحت "جين جيكوبز" في كتابها "موت وحياة المدن الأمريكية الكبرى"، فإنَّ هذا النهج تجاهلَ غالباً الطريقة الحقيقية التي يعيشُ ويتفاعلُ بها الناس في المدن. فبدلاً من بناءِ شوارع صالحة للمشي، وأحياء متعددة الاستخدامات، ركّزَ المخططون على السيارات والطرق السريعة، والمشاريع الواسعة النطاق. وقد اعتقدوا أنَّ المدنَ ينبغي تقسيمها إلى مناطق مختلفة: بعضها للسكن، وبعضها للأعمال، وأخرى للصناعة. ورغم أن هذا قد يبدو منطقياً، إلا أن "جيكوبز" ترى أنَّ هذا النهج قتلَ روح المدينة، وجعل الحياة فيها أكثر صعوبة.
السمات الرئيسية لهذا النموذج:
  • فصل الأحياء (التقسيم المناطقي)
  • قسم المخططون المدن إلى مناطق منفصلة للسكن والعمل والتسوق.
  • أجبرَ هذا الناس على التنقل لمسافاتٍ طويلة لتلبيةِ احتياجاتهم اليومية، بدلاً عن أن تكون جميعها قريبة وفي متناول اليد.
  • التنمية المرتكزة على السيارات
  • أُعطيت الأولوية للطرق السريعة، والشوارع الواسعة على حساب الأرصفة ووسائل النقل العام.
  • بدلاً من تسهيل التنقل، أدى ذلك إلى زيادة عدد السيارات وتفاقم الازدحام المروري.
  • مشاريع الإسكان الواسعة النطاق
  • هُدمت الأحياء القديمة لبناءِ مجمعاتٍ سكنيةٍ كبيرةٍ ومساحاتٍ خضراء.
  • غالباً ما بدت هذه المناطق خالية ومنعزلة، لا تنبضُ بالحياة ولا ترحبُ بالناس.
  • التجديد الحضري وإزالة ما يُسمى بالأحياءِ الفقيرة
  • هدمت الحكومة العديد من الأحياء القديمة والمتنوعة ثقافياً، تحت ذريعة كونها "أحياء فقيرة."
  • وبدلاً من تحسينها، هُجّرَ السُكّان وفقدوا مجتمعاتهم.
هل نجح نهج المدرسة الأمريكية أم فشل؟
تقول "جين جيكوبز"، إنَّ نموذج المدرسة الأمريكية في التخطيط الحضري فشلَ؛ لأنهُ خلقَ مشاكل أكثر مما حلّ. فقد اعتقد المخططون أنَّ بناءَ المزيد من الطرقِ سيخفف الازدحام، لكنهُ في الواقع شَجَعَ على استخدامِ السياراتِ أكثر، ما أدى إلى ازدحامٍ دائم. كما أنَّ تصميم الشوارع كان لصالح السيارات وليس للمشاة، ما جعل المدن أقل قابلية للمشي وأقل حيوية وأضرَّ بالأعمال الصغيرة والتواصل المجتمعي. وقد تم تجاهل النقل العام، فاضطرَّ الناس إلى القيادة، بالتالي زادَ من أزمةِ المرور. وأدت قوانين التقسيم المناطقي إلى فصلِ السكنِ عن أماكن العمل والتسوّق، مما اضطرَ السكان إلى قطعِ مسافاتٍ طويلةٍ يومياً، وأضعف الترابط بين الأحياء. وبدلاً عن تقوية المجتمعات، أدى هذا النموذج إلى عزلِ الناس عن بعضهم، وقطع سبل التفاعل، وصعوبة التنقل داخل المدن. وبالتالي، لم يحسّن هذا النهج الحياة الحضرية، بل تسبب في مشاكل مرورية، وشوارع بلا روح، وتخطيط حضري غير فعّال.
كيف تتبع بغداد النموذج نفسه؟
يبدو أنَّ تخطيط مدينة بغداد يعاني من نفسِ سلبياتِ النموذج الأمريكي، ما أدى إلى ازدحامٍ شديد، وضعفٍ في النقلِ العام، وتشتت في الأحياء. فقد أُنشأت طرق وشوارع واسعة بهدفِ تقليلِ الزحام، إلا أنها جعلت الناس يعتمدون أكثر على السيارات. ومع محدودية وسائل النقل العامّة، لم يعد أمام الناس خيار سوى القيادة، مما زادَ الطين بلة. وفي الوقت نفسه، أصبحت المسافات بين المنازل والمتاجر والمكاتب كبيرة، جاعلاً من الحياة اليومية أكثر صعوبة.
ماذا يمكن أن تعلّمنا المدن القابلة للمشي؟
في كتابهِ "المدينة القابلة للمشي: كيف يمكن لمركز المدينة أن ينقذ أمريكا، خطوةً بخطوة"، يقدم "جيف سبيك" خارطة طريق عملية يمكن لبغداد أن تستفيد منها. ويشرح أن حلَّ مشكلة المرور لا يكون فقط ببناء المزيد من الطرق، بل من خلال تصميم مدن تجعل الناس يرغبون بالمشي. فعندما تكون المدينة صالحةً للمشي، يقلُ الازدحام، وتتحسن الصحة العامّة، وتزدهرُ الأعمال التجارية، وتصبحُ المهام اليومية أسهل.
يحدد سبيك (Speck) أربع ركائز تجعل "المشي مجدياً":
  1. أن يكون المشي مفيداً: يجب أن يتمكن الناس من السير إلى الأماكن التي يقصدونها فعلياً مثل المتاجر والمدارس والمكاتب والمقاهي. فإذا كانت المسافات بعيدة، سيفضّل الناس القيادة.
  2. أن يكون آمناً: يجب تصميم الشوارع بحيث تقود السيارات ببطء، ويشعر المشاة بالحماية. وتشمل التدابير الطرق الضيقة، والمعابر الواضحة، وأرصفة منفصلة عن حركة المرور.
  3. أن يكون مريحاً:يتجنب الناس الأماكن الفارغة وغير المريحة. يجب أن تطل المباني على الشوارع، وتوجد أشجار للظل، وأن تكون الأرصفة جذابة ومشجعة للمشاة.
  4. أن يكون ممتعاً: لا أحد يرغب في السير بجانب جدار فارغ أو ساحة انتظار. يجب أن تنبض الشوارع بالحياة: نوافذ، وأبواب، وأشخاص، ومتاجر، ومقاهٍ، وأشياء تسر النظر وتستحق التوقف عندها.
هذا لا يعني حظر السيارات، بل توفير خيارات بديلة. فكلما شجّعت المدينة على المشي ووسائل النقل العام، قلّ اعتماد الناس على السيارات الخاصة، وتراجع الازدحام، وتحسنت جودة الحياة، وانخفض التلوث والانبعاثات.
يمكن لبغداد أن تتعلم من هذا النهج. بدلاً من بناء المزيد من الطرق التي تجذب المزيد من السيارات، يمكننا البدء بالتركيز على المساحات بين المباني، والأرصفة، ومواقف الحافلات، والأشجار، والمساحات العامة. فهي التي تجعل المدينة أكثر قابلية للعيش وأسهل للتنقل.
لماذا لا تنجح "الحلول التقليدية" في أزمة المرور؟
إن معادلة حل مشكلة المرور في مدنٍ مثل: بغداد ليست مُعقّدة، لكننا غالباً نفشلُ في تنفيذ الحلول الصحيحة. قد يبدو أنَّ رفعَ أسعار الوقود، وتوسيع الطرق، وبناء المزيد من المُجسّرات هي حلول فعّالة، لكنها لا تعالج المشكلة الحقيقية: وهي أنَّ الناس ببساطة لا يملكونَ بدائل أفضل.
لنبدأ بالدراجات الهوائية. يمكن أن تكون وسيلة ممتازة بديلة للسيارات، ولكن فقط إذا وفّرت المدينة ممرات آمنة، مظللة، ومحمية لراكبي الدراجات الهوائية. ومع أنَّ الدراجات الهوائية تناسب المسافات القصيرة، إلا أن قلة من الناس قد يكونون مستعدين لركوب الدراجة عبر المدينة بأكملها، وهنا يأتي دور التخطيط الذكي. إذا مزجنا استخدامات الأراضي، وجعلنا السكن والمتاجر والمدارس والخدمات قريبة من بعضها، فلن يضطر الناس إلى قطع مسافات طويلة في الأساس. وهذه هي فكرة "مدينة الـ 15 دقيقة"، وهي عبارة صاغها الأستاذ "كارلوس مورينو" من جامعة بانتيون سوربون في عام 2016، حيث وصفَ رؤيتهُ كالآتي: "يجب أن يكون بإمكان الناس، في نطاق 15 دقيقة سيراً على الأقدام أو بالدراجة الهوائية، الوصول إلى العمل، والسكن، والغذاء، والرعاية الصحية، والتعليم، والثقافة، والترفيه". بمعنى أنَّ كلَّ ما تحتاجهُ يكون على بُعدِ خطواتٍ منك.
في دولٍ مثل: هولندا، حتى المناطق السكنية في الضواحي ترتبط بالمدينة من خلال وسائل نقل عامّة سريعة وموثوقة، وهذا يحافظ على ترابط المدينة، ويقلل الحاجة لاستخدام السيارات، حتى لمن يعيشون بعيداً.
أما في بغداد، فقد شهدت المدينة، مثل غيرها، ارتفاعاً هائلاً في استيراد السيارات، يفوق بكثير قدرة الطرق على الاستيعاب. ولكن بما أن معظم الناس لا يملكون بديلاً، يُجبرون على القيادة. والمفارقة الكبرى هي أن توسيع الطرق لا يحل المشكلة، بل يزيدها سوءاً، فكلما زادت المساحة المتاحة للسيارات، ازداد عدد السيارات، وهذه قاعدة اقتصادية بديهية تتعلق بـ"العرض والطلب."
والمجسرات لا تساعد أيضاً. فإلى جانب تشويهها للمنظر الحضري وتقطيعها لأوصال الأحياء، فإنها تخلق مشاكل مرورية جديدة، خصوصاً في بغداد، إذ تتوقف سيارات النقل الصغيرة تحت الجسور لإنزال الركاب أو تحميلهم، فتغلق ممرات كاملة وتتسبب في اختناقات مرورية.
جميع هذه المشاكل مترابطة، ولكن الحل واضح وبسيط رغم ذلك: 
  • التركيز على شوارع آمنة صالحة للمشي وتصميم صديق للدراجات الهوائية.
  • التوقف عن توسيع الطرق وبناء المجسرات التي تشجع على استخدام السيارات أكثر.
  • الاستثمار الحقيقي في منظومة نقل عامة تربط الأحياء والضواحي بقلب المدينة، على أن تكون آمنة وسهلة الوصول ومريحة للجميع.
  • تشجع على إنشاء أحياء متعددة الاستخدامات، حيث تحتوي المباني السكنية على متاجر ومقاهي وخدمات، وذلك لتقليل الاعتماد على السيارات وتعزيز الوعي بأهمية المشي.
إذا بقيت السيارات الخيار الوحيد للتنقل، فإن الازدحام المروري سيظل بالتأكيد تحدياً كبيراً. التغيير الحقيقي يعني إعطاء الناس خيارات وتصميم المدينة بما يخدم الناس بدلاً من المركبات.

Article Information

Details

  • Author:فاطمة سهيل
  • Published:October 3, 2025
  • Issue:16
  • Read Time:10 min

Need Custom Analysis?

Contact our research team to discuss your specific business landscape analysis needs.

Contact Us
More from 16