
16•Article
فنجان من التغيير: ظهور سوق القهوة المختصة في العراق
محمد كمالOctober 3, 202515 min read
Article Summary
ينتقل ذوق القهوة في العراق من التركي والتحميص العالي إلى القهوة المختصة منذ 2022، مدفوعاً بتوفّر الأدوات والشحن السريع وتعاظم مجتمع الهواة. التعليم أصبح محورياً مع اعتماد مدرسة بغداد للقهوة من جمعية القهوة المختصة، ما رفع معايير التحضير والتدريب. المشهد تنافسي لكنه مربك أحياناً مع دخول علامات تقليدية بالتسويق أكثر من الجودة، فيما يتقبّل المستهلك أن «الجودة لها ثمن». التحديات تشمل البيروقراطية والاستيراد ومنافسة محامص الجوار وتأثير تغيّر المناخ وارتفاع الأسعار—ما يرجّح تحوّل القهوة إلى منتج فاخر ونمو السوق بقيادة المستخدم المنزلي.
فنجان من التغيير: ظهور سوق القهوة المختصة في العراق
محمد كمال
مؤسّس جبـران للقهوة المختصة
تطور ثقافة القهوة في العراق
كانت ثقافة القهوة في العراق، مستقاةً بالأساس من التقاليد التركية حتى عام 2019. ولكن ما تزال بقايا ثقافة القهوة العربية التقليدية موجودة في جنوب العراق، ممّا يعكس التراث الذي كان منتشراً في العالم العربي والعراق نفسه. لكن السوق السائد أصبح نسخةً مباشرةً من الممارسات التركية، إذ يعتمدُ على "الدلة" اعتماداً رئيساً، ويستخدمُ القهوة التجارية الرخيصة، بالأخص تلك التي من منطقةِ ريو البرازيلية. إذ كانت هذه القهوة تُحمّصُ بدرجةٍ عاليةٍ جداً؛ لإخفاء العيوب الناتجة عن رداءةِ جودة الحبوب، ثم تُباع للمستهلكين.
لذلك، برز توجهٌ جديدٌ نحو القهوة المُنكهة في السوق، وازداد الاقبال على القهوة الفرنسية التي تحتوي على مبيض خالٍ من الألبان؛ لتخفيفِ مرارةِ التحميص العالي. فضلاً عن ذلك، انتشرت مشروبات أخرى، مثل: القهوة بالفستق الحلبي، التي لاقت رواجاً واسعاً.
تأريخياً، كانت المقاهي التقليدية في العراق؛ تقدم القهوة التركية بالدرجة الأولى. وحتى عام 2016، كان "الاسبريسو" يُصنع من نفس القهوة التجارية منخفضة الجودة، وغالباً ما كانت مطحونةً مسبقاً، ما أدى إلى نكهة باهتة ومؤكسدة. نَمَا السوق ببطء، مع دخول العديد من العلامات التجارية الربحية إلى العراق عبر المورّدين المحليين. على سبيل المثال، نجحت علامة لافازا (Lavazza) في فرضِ حضورٍ قويٍّ لها في سوقِ الأعمالِ التجاريةِ بين الشركات في البلاد.
إلا أنَّ التحول الحقيقي؛ أنطلقَ في السنوات الأخيرة فقط، إذ كان إدخال القهوة المختصة عملية تدريجية تطلّبت تعليماً واستثماراً. إضافةً إلى ظهور موزعين رسميين لأشهرِ أدوات تحضير القهوة، ممّا جعل أدوات التحضير عالية الجودة، أكثر توفراً للمحترفين والهواة على حد سواء.
نمو القهوة المختصة في العراق
لم تبدأ القهوةُ المختصةُ في اكتسابِ الزخم في العراق إلا بعد عام 2022، رغم أنَّ أولَ مَحمصة عراقية مختصة تأسست عام 2020. وقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً لتعريف المستهلكين بهذا المفهوم الجديد. وتتطلبُ القهوة المختصة استثمارات في أدوات التحضير، إذ يتطلب البدء بشكل صحيح إنفاق ما لا يقل عن 75 دولاراً؛ لاقتناءِ الأدوات المناسبة. كما أنَّ اشتراط أن تكون القهوة طازجة شكلَ تحدياً رئيساً، إذ في حين يُمكن تخزين القهوة التجارية لسنوات، فإنَّ القهوةَ المختصة تفقدُ نكهتها المثلى بعد 60 يوماً فقط، ممّا يجعلُ توفرها في الأسواق الكبرى أمراً صعباً.
لفترة طويلة، كان تعليم القهوة في العراق غير منظم، ويعتمدُ على الخبرةِ بدلاً عن المعرفة العلمية المتخصصة. كما كانت الوظائف في قطاع القهوة غير مُقدّرة، وكان العاملون غالباً يحصلون على الحد الأدنى من الأجور. وكانت العديد من المقاهي تُدار بمعرفةٍ محدودة، مع توظيف عاملين بدون تدريب مناسب، ما كان يؤدي إلى تغيّرات كبيرة في الجودة؛ كلما تغيّر طاقم العمل. وعندما دخلنا السوق لأول مرة، لم يكن هناك أي رقابة على الجودة، وكان القليل فقط من يستخدم أدوات دقيقة مثل: الميزان أو يلتزم بوصفاتٍ قياسية.
لكن سوق القهوة بدأ في التطوّر، إذ تزايد الطلب على التعليم المهني. ويُعد تدريب الموظفين الخطوة الأولى نحو تحسين الجودة، إلا أنَّ التقدمَ الحقيقي لن يتحقق إلا عندما يُدرك أصحاب الأعمال أهمية الاستثمار في ممارساتٍ أفضل، خاصةً مع تصاعد حدة المنافسة.
اليوم، أصبح العمل في مجالِ القهوة يُنظرُ إليهِ على أنهُ مهنة حقيقية، وليس مجرد وظيفة مؤقتة. ورغم أنهُ لن يجعل العاملين فيهِ أثرياء بين عشيةٍ وضحاها، إلا أنَّ العديدَ من المحترفين ملتزمون الآن بإتقانِ مهاراتهم، وتحقيق النموِ على المدى الطويل في هذه الصناعة.
لذلك، أصبح التعليم عنصراً أساسياً في نموِ هذا القطاع. فقد كانت مدرسة بغداد للقهوة؛ أول مؤسسة في العراق تحصل على ترخيص من جمعية القهوة المختصة لتدريب واعتماد محترفي القهوة، ما أدى إلى تحسين المعايير والخبرات في السوق.
واليوم، ينمو السوق تنامياً سريعاً مع تخطي العديد من التحديات السابقة. أصبح الحصول على أدواتِ التحضير أكثر سهولة، وأصبحت شركات الشحن تقدم خدمات توصيل خلال يوم أو يومين داخل العراق، ممّا يضمنُ وصول القهوة الطازجة بسرعةٍ بعد طلبها. والأهم من ذلك، أنَّ مجتمع القهوة المختصة يتوسعُ بشكلٍ يتجاوزُ الجهودَ التعليمية لشركاتِ القهوة، إذ أصبح انتشارها يعتمدُ اعتماداّ كبيراً على التوصيات الشفهية بين المستهلكين.
المشهد التنافسي
جذبَ النمو السريع لقطاعِ القهوة المختصة المزيد من الشركات إلى السوق. ولكن، ما يزال القطاع صغيراً جداً بحيث لا يُغري العلامات التجارية العالمية الكبرى للدخول إليه. وبدلاً من ذلك، بدأت العلامات التجارية العراقية التقليدية في دخول مجال القهوة المختصة، ولكنها غالباً ما تعتمدُ على الحملات التسويقية بدلاً عن الاستثمار في مصادر القهوة، وتقنيات التحميص. وقد أدى ذلك إلى خلق صورة غير واضحة لماهية القهوة عالية الجودة، ممّا تسبب في فجوة بين الادعاءات التسويقية والطعم الفعلي.
ومن منظور المستهلك، فقد أدرك عشاقُ القهوة تماماً أنَّ الجودة تأتي بثمن، وأنَّ القهوة عالية الجودة لا يمكن أن تكون رخيصة. ولكن ما يزال البعض يُقاوم هذا التحول لأسبابٍ مُختلِفة، منها أنَّ تحضير القهوة المُختصة أكثر تعقيداً، ممّا يجعلُ إعداد فنجان القهوة اليومي أمراً شاقاً، كما أنَّ سعرها أعلى، أو لأنهم لم يجربوا بعد قهوة مختصة معدّة بطريقةٍ مُثلى.
رغم ذلك، ما تزال القهوة تُعد وسيلةً اجتماعيةً للتواصل كما كانت دائماً. ومع تعقيد القهوة المختصة، أصبحت هواية بحدِ ذاتها، إذ بدأ المتحمسون لها بتشكيلِ مجتمعاتِ هواة. وسيُعرف الجيل الجديد بأنهُ جيل القهوة المُختصة، ما يعني أنَّ السوقَ سيستمرُ في التوسع.
التحديات والآفاق المستقبلية
رغم ازدهار صناعة القهوة المختصة في العراق، إلا أنها ما تزال تواجه تحديات كبيرة. فما تزال الأنظمة التنظيمية غير واضحة، مع وجود متطلبات بيروقراطية كثيرة لنقل واستيراد المنتجات إلى البلاد. كما أنَّ المنافسة بين الشركات الصغيرة تتزايد، لكن ما يزال هناك غياب للمنافسة المباشرة بين المحامص العراقية، إذ تأتي معظم المنافسة من المحامص في الدول المجاورة.
ومع ذلك، الى جانب زيادة إمكانية الوصول إلى القهوة المُختصة، ونمو المجتمع المهتم بها، ودخول جيل جديد إلى هذا المجال، فإنَّ ثقافة القهوة في العراق تتطوّر بوتيرةٍ أسرع من أيِّ وقتٍ مضى، ممّا يُبشرُ بمستقبلٍ واعدٍ للصناعة.
إنَّ الطلب المتزايد على مشروبات وأدوات القهوة المختصة، الذي يُحفزهُ أساساً المستهلكون من المنزل، يُعزز هذا التحول، ليدفع الشركات والمتخصصين إلى تحسينِ أدائهم، والتكيّفِ مع السوق. إذ أصبح المستخدمون المنزليون على درايةٍ جيدةٍ بالقهوةِ الفاخرة، وأصبحت ماكينات القهوة الاحترافية شائعة أكثر. ومن المتوقع أن يزدادَ الطلب على أحدثِ الأدوات، وأنواع القهوة الفريدة في المستقبل. ولكن لا يُمكننا تجاهل التحديات الكبرى التي يواجهها السوقُ العالمي، إذ لا يواكب إنتاج القهوة الطلب المتزايد. يُضاف إلى ذلك تحديات التغيّر المناخي والارتفاع الحاد في أسعارِ القهوة، ممّا يعني شيئاً واحداً: عصر القهوة الرخيصة يقتربُ من نهايته، والقهوة تتحول إلى منتجٍ فاخر.
Article Information
Details
- Author:محمد كمال
- Published:October 3, 2025
- Issue:16
- Read Time:15 min
Need Custom Analysis?
Contact our research team to discuss your specific business landscape analysis needs.
Contact UsMore from 16













